عن "الشؤون المعنوية" المصرية المعارضة

13 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
كنتُ عام 2014 في أحد السجون في شمال مصر، وأقف على تفاصيل حمية الشباب ضد "الأخبار المزيفة" التي تناقلها بعضهم داخل السجن بين حين وآخر، وظل هؤلاء الشباب أصحاب الحمية في البحث عن مصدرها، حتى وصلوا إلى أنها تأتي من خارج السجن عبر زيارات كوادر من الإخوان المسلمين بعض المعتقلين. كان الغرض من تلك الأخبار، المزيفة بالطبع، رفع الروح المعنوية للمعتقلين، وإخفاء الحقيقة المُرّة عنهم. كان هذا غرض من تناقلها، وأتت على شاكلة أن الانقلاب العسكري في مرحلة موت سريري، أو أن المفاوضات بين "الإخوان" ونظام عبد الفتاح السيسي وصلت إلى مرحلة متقدمة، وأن الطرف الإخواني هو من يُملي شروطه، أو أن عودة محمد مرسي إلى الرئاسة باتت قريبة جدًا وأنها مسألة وقت، أو أن هناك مثلًا عشرين ألفًا من المعتقلين سيخرجون كبادرة ودليل على صدق نية النظام في حلحلة الأزمة. وتمادت هذه الأخبار المزيفة في تحديد مواعيد بعيدة نسبيًا، وتمادت أكثر في شطحات مزيفة في بعض الأحيان وصلت إلى أن "السيسي قد اغتيل، أو أنه وُضع في السجن الحربي، أو أن انقلابا أيضًا على وشك الحدوث، أو الحديث عن وساطة أجنبية في التحقيقات، أو تحسين حال الرئيس مرسي داخل معتقله في سجن برج العرب تمهيدًا للتفاوض حول عودته إلى القصر"... إلخ. 
أطلق الشباب آنذاك على هذا الزيف "الشؤون المعنوية الإخوانية"، وتناولوا الأخبار ومتناقليها بسخرية شديدة، ووصل الأمر إلى خلافٍ داخل السجن بين المتلهفين لتناول هذه الأخبار المخدّرة والواقعيين الذين رفضوا مجرّد التعاطي معها إلا بالسخرية، لعلمهم بمدى تعارضها مع الواقع المؤلم خارج أسوار السجن، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. بعد قليل من البحث والسؤال، يتبين للباحث المستقصي أنها كانت، آنذاك، ظاهرة منتشرة بين عددٍ من السجون المصرية، غفل أصحاب هذه الفكرة عن البُعدَ الحداثي والتكنولوجي، والفرق الجيلي الذي سرعان ما لحق به وقوّضه وأطلق عليه بسخريةٍ (يبرع فيها المصريون) "الشؤون المعنوية الإخوانية". وبعد وقت لم يطل، تمكّن نظام السيسي من الحكم بالقمع والإرهاب والقتل والفساد وبدافع من دول إقليمية، 
وتكسّرت كل سرديات "الشؤون المعنوية الإخوانية" عن احتمال انفراج الأزمة، أو تفكك النظام لصالح عودتهم إلى الحكم، مع غياب وجود أي استراتيجية واضحة (غير استراتيجية الشؤون المعنوية)، أو تصوّر للحكم ذاته، أو توافق مع مكونات المعارضة الأخرى على مبادئ تصلح للاصطفاف الوطني أولًا بين المعارضين المتفرّقين أساسًا على الوقوف ضد نظام السيسي بدرجات مختلفة، أو لملمة الصف الإخواني نفسه الذي تفرّق بين أكثر من جماعة، منذ اشتدّت الأزمة، وترسخ الاستبداد، أو أي رؤية واضحة لكيفية خروج العسكر من السلطة، فلا ثورة عارمة ولا إصلاح ولا صفقات.
تفاقمت ظاهرة "الشؤون المعنوية الإخوانية" التي تتناقل الأخبار كذبًا بهدف رفع الروح المعنوية، وتحقيق انتصاراتٍ زائفة على النظام، ضمن الظن بأنها استراتيجية ثورية ضد نظام مستبد، تمثلت في أكبر الكيانات المعارضة خارج مصر لمنصّات إعلامية متعددة تعبّر عنها، وافترضت أن تقوم بدور الإعلام المعارض من المهجر/ المنفى. وبدلًا من القيام بالدور التاريخي المنوط بها في تقديم صورة رسالة إعلامية مصرية وطنية، إذا بها تتبنى استراتيجية "الشؤون المعنوية الإخوانية" نفسها بصورة أكثر حرفية وتطورا في تزييف بعض الأخبار، وتناقل الكثير من غير المؤكد منها، وبث انتصارات وهمية للمعارضة المصرية على نظام السيسي، والحديث عن انهيارات اقتصادية وسياسية للنظام، في منافاة حقيقية مع المهنية الإعلامية، أو الرسالة الوطنية المنوطة بوسائل الإعلام التابعة لمعارضة سياسية تعمل، من المهجر/ المنفى، على رفع الوعي الذي هتكه إعلام الأجهزة الأمنية، وكشف الحقائق التي يخفيها النظام.
صحيح أن نظام السيسي لم ينجح سوى في القمع، وبسط سيطرته على مفاصل الدولة، وسجن كل من يعارضه، والتنازل عن أراضيها، والقضاء على مكانة مصر التاريخية إقليميًا ودوليًا، إلا أن إعلام المهجر/ المنفى ذهب بعيدًا عن هذا الأمر، وتعمّد إظهار النظام مفككًا خائرًا على ركبتيه ينتظر إعلان وفاته، وهو ما ينافي حقيقة توحّش النظام في قمعه واستبداده. ولا يخفي أن إعلام المهجر/ المنفى قد نجح في جذب قطاعات كبيرة من الشعب المصري إلى خطابه، بسبب قُبح ما يقدمه إعلام الأجهزة الأمنية، وهي نقطة تُحسب له، إلا أن التمادي في تزييف الأخبار سيفلت منه قطاعات من الشعب عاشت تتعلق بالآمال.
ومن دون الوقوع في مستنقع بعض الأطراف التي لديها أزمة وجودية مع التيار الإسلامي بشكل عام، والإخوان المسلمين بشكل خاص، أو المتصيدين لهفوات المنتمين للتيارات الإسلامية أو 
المتسلطين على كل ما يصدر منهم، وهم بذلك يتشبهون بأفعال النظام المصري المستبد، بغية الانتشاء الذاتي أو تحقيق انتصارات شخصية على الإسلاميين، لا يلعب الإعلام المصري المحسوب على المعارضة، خصوصا الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، من المهجر/ المنفى دوره التوعوي المنوط به في مواجهة تزييف الوعي وتغييب العقل الذي تلعبه الأجهزة الإعلامية/ الأمنية المصرية، بل انزلق إعلام المنفى/ الشتات، في أحيان كثيرة، إلى تزييف الوعي في المقابل الآخر، واقترب مما تفعله أجهزة الإعلام الأمنية المصرية. وبدلًا من أن يلعب إعلام المهجر/ المنفى دوره في كشف الحقائق التي تخفيها أجهزة الإعلام الأمنية المصرية، راح هو الآخر يتطرّف في تزييف الواقع بوجه أشد قتامة، محاولًا تحقيق انتصارات لم يحققها الطرف المحسوب عليه، ويعلّق المصريين بآمال زائفة لم تتحقق واقعيًا. وهو بذلك يكتب شهادة وصم بالكذب على كل ما يصدر منه بعد ذلك، حتى لو كان أكثره صحيحًا، فتعليق المتعاطفين والمنتمين بالآمال اللامعة والمقولات من جنس "النصر القريب، والنصر على الظالمين وترنّح الانقلاب، وتفكك النظام… إلخ"، من دون أن تكون لائحةً في أفق الواقع هو ضرب من تزييف الوعي الذي يدّعي إعلام المهجر/ المنفي العمل على رفعه، وخسران للتأييد الذي تدعي المعارضة، خصوصا الإسلامية منها، أنها ما زالت تستند إليه في مقاومتها النظام السلطوي العسكري، وتحييد لجموع القطاعات الشعبية عن مقاومة الاستبداد، وإدخالهم في دوامة الصمت، لرفضهم هراءات الفريقين المتصارعين.
ثمّة ما يدعو الإعلام المصري في المهجر/ المنفى إلى إعادة النظر في كل ما يقدّمه من جديد، وسط واقع الانهزام الذي تعيشه قطاعات المعارضة المصرية ككل من تنظيماتٍ ونشطاء ونخب، وانصرافها عن أداء مهماتها الرئيسية في معارضة النظام إلى بحث كثير من نخبها عن طريق الإقلاع عن معارضته للنظام والانصراف إلى المعارك الجانبية الهوياتية والفكرية، وفي بعض الأحيان، الشخصية، وإلى قطع كل السبل أمام عودة "شؤون معنوية" بمسمّى جديد.