عندما يكرّر حفتر تجربة عيديد

عندما يكرّر حفتر تجربة عيديد

10 فبراير 2019

خليفة حفتر ومحمد فارح عيديد

+ الخط -
تنتشر ألسنة النار والصراعات العسكرية في ليبيا، في مشهد ملوّن بالدم يعيد تجربة الحرب المريرة التي أعقبت سقوط النظام السابق، فمنذ يناير/ كانون الثاني الفائت، يحاول الجنرال خليفة حفتر السيطرة على خاصرة الجنوب الليبية، ولكن ما إن يسدّ ثغرة عسكرية، حتى تنفتح أمامه ساحات قتالٍ جديدةٍ في الجنوب، على عكس الشمال الهادئ، والذي يستقبل أفواجاً من الليبيين النازحين، ما يمثل تحدّياً لمستقبل ليبيا نحو إعادة تشكل الديمغرافيا السكانية والعمرانية. 
سيناريو الحرب الهمجية التي ينتهجا جنرال الحرب، خليفة حفتر، نسخة مكرّرة كالتي قادت الجنرال الصومالي محمد فارح عيديد، إبّان سقوط الدولة المركزية في الصومال عام 1991، إلى شن حرب عسكرية على سكان المدن الجنوبية، بغية فرض حكمه عليه، ثم تمردت قبائل الجنوب، وواجه حشداً من المليشيات القبلية المسلحة، ففاض كأس الصومال بدماء الأبرياء.
يتكرّر السيناريو ذاته اليوم في ليبيا، وآلة الحرب تقتل الأبرياء وتشرّد الآلاف، ويبحثون عن ملاذٍ آمن في الشمال، وخصوصا العاصمة طرابلس، وهذا كله نتاج حرب شعواء، يشنّها جنرال ليبي على سكان المدن الجنوبية، بغرض فرض السيطرة عليها بمنطق الرصاص، لتخلف هذه الحرب آثاراً اجتماعيةً وخيمةً على الليبيين، من حيث التركيبة القبلية والإثنية، وما سيصعّب مستقبلاً هو تحقيق مصالحة شاملة بين القبائل الليبية، ويشكل تحدّياً أمام تحقيق العدالة الانتقالية في البلاد، ويفتح الباب أمام نهبٍ وسلبٍ يطاول كثيرا من ممتلكات سكان المدن الجنوبية.
وإذا كان الصراع بين لوردات الحرب في مقديشو يتركّز على استحواذ المرافق الرئيسة في البلاد، مثل القصر الرئاسي والمطار والميناء، فإن الصراع الليبي يبدو، في مجمله، بقيادة حفتر، يتمحور حول من يسيطر على حقول النفط أولاً، ويستخدم آلته العسكرية الضخمة لقمع معارضيه، حيث يجد تأييداً دولياً وبعضاً من الكيانات العربية ذات الطابع العدائي لكل الشعوب التي تاقت يوماً للحرية.
لدى دول كثيرة، وخصوصا فرنسا، طمعٌ مريب لاستغلال النفط الليبي، والحصول على عوائدة بأثمانٍ زهيدة في مقابل دعمها جنرال الحرب في ليبيا، فإذا كانت لدى الدول الغربية، 
وخصوصا الأوروبية، نياتٌ حسنة، لما سقطت ليبيا في فخ الصراعات الجهنمية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما يواجه قطار المصالحة السياسية بين الليبيين دوماً طريقا مسدودا، وحكومات مشتتة هنا وهناك، مثل المشهد الذي عاش فيه الصومال قبل عقد.
لا تحسم حرب الكل ضد الكل في ليبيا، وخصوصا التي يخوضها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معادلة الصراع، فالحرب سجالٌ بين الشعوب دوماً، فإذا ابتسم لك القدر اليوم سيخيّب ظنك أياما، وبعدها سيعضّ المتحاربون الأنامل أسفاً على حربٍ جهويةٍ دمرت البلاد والعباد، وحولت ليبيا ونفطها إلى خراب، كما أن استهداف قبائل بعينها بذرائع جاهزة مسبقاً، وهي تصفية المتمردين والمهرّبين، يؤجّج صراعات قبلية وحرب طابور خامس.
من المفارقات في الصراع الليبي ـ الليبي أن الحكومتين في الشمال لم تنتبها إلى مخاطر الحرب التي يخوضها حفتر في الجنوب، إلا بعد أن توسّعت رقعته العسكرية، والتي تتركّز في السيطرة على حقول النفط، خصوصا التي كانت تستحوذها قبائل التبو، ذات الأقلية السكانية في الجنوب، فأطلقت حكومة الوفاق الليبية تنديداً بـ"التصعيد العسكري" في الجنوب، واعتبرت، في بيان، أن هذه المنطقة ينبغي ألا تتحوّل "ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو للتحريض بين المكونات الاجتماعية والثقافية". وهذا ما يحصل في الجنوب، على الرغم من هذا الحذر المشوب بغضب كثير تارة، والعجز تارة عن وقف هذا الصراع الدموي في الجنوب.
تقاتل الجنرال عيديد في الصومال مع أبناء جلدته وعشيرته، حتى قضى أخيراً في يد أقرب مؤيديه، فسقط صريعاً في معركته الأخيرة، بطريقة مجهولة، وذلك بسبب الحرب التي خاضها على معارضيه ومؤيديه معا. ويتهم ليبيون اليوم اللواء خليفة حفتر بأنه يهاجم الكل، وكأنه يكرّر تجربة عيديد في الصومال، من حيث سياقات الأزمة وسيناريوهاتها العسكرية.
.. مضت سبعة أعوام منذ سقوط نظام معمر القدافي، وما زال الليبيون منقسمين بشأن استعادة هيبة الدولة، فمن خلافٍ سياسيٍّ إلى حربٍ عسكريةٍ طاحنة. هكذا تنزلق ليبيا رويداً رويداً نحو مستنقع الدولة الفاشلة في المغرب العربي، فإذا لم يستطع الليبيون إصلاح ما أفسده جنرالات الحرب والمليشيات المسلحة، فإن الفوضى السياسية والأمنية ستحل محل النظام المؤسساتي والحكم الرشيد، والمشهد الصومالي بعد عام 1991 ليس بعيداً.