عمّان في جهتين

عمّان في جهتين

08 اغسطس 2016
الصورة

مشهد من عمّان (Getty)

+ الخط -
نافذة محاطة بحديد حماية في الطابق الثالث من عمارة حديثة البناء، يطلّ من بين قضبانها طفلٌ مكتنز الوجنات أحمرها، لم يتجاوز السنتين، يصرخ في وجه أمه حانقاً، لأنها لم تسمح له بالذهاب إلى النادي الصيفي في المدرسة، حيث تصطحبهم المعلمات اللطيفات اللواتي لا يرهقنه بالدروس في رحلاتٍ ترويحيةٍ، تخفف من حدة الصيف، ويصرّ على أنه يستحق ذلك، لأنه انتقل بنجاحٍ وجدارة في الصف الثالث، معترضا على المعاملة المنحازة لشقيقته الكبرى التي تحظى، حسب ادعائه، باهتمام كل العائلة.
ولغايات السرد، سوف أفترض أن اسمها بانا، وهي بالضرورة بنتٌ شقيةٌ متعدّدة المواهب، خفيفة الظل، ذات شخصية قيادية، تنزع إلى السيطرة والتحكّم، وهي الأولى على صفها دائماً، ما يثير حفيظة الصغير الذي لا تخلو مشاعر حبه الملتبس لشقيقته من ملامح غيرة لا يملك لها مقاومة.
ها هي تهبط الدرجات راكضةً، كي تنضم إلى أولاد الجيران، في انتظارهم الباصات تجوب الحارات، تلتقطهم، كما لو كانوا زهوراً برية غضة، يغالبون الكسل وعدم الرغبة في مغادرة البيوت، لإلحاح الأمهات بضرورة الإسراع حاملين على ظهورهم حقائبهم الخفيفة، المحملة بالوجبات الصيفية اللذيذة.
في العمارة نفسها ولكن، في الطابق الأول، ثمّة أرملةٌ بلغت من العمر عتيا، أجبرها الأولاد المتحققون مهنياً على السكن في البيت الجديد الكائن في أفخم مناطق عمان الغربية، المتناسب أكثر مع مستواهم الاجتماعي الراهن.
تسقي الختيارة ورودها المكتظة في بلكونةٍ صغيرة، متأملةً، بشيء من الأسى، الحراك الصباحي الخاطف في حارتها الجديدة، متبرمةً من قرار أولادها المتعسف، حين زجّوا بها، حيث جيران لا يتبادلون تحية الصباح، ولا يرغب أيٌّ منهم بالتعرّف إلى أحد، وتشعر بالحنق، لأنها لا تعرف أسماء جيرانها، حتى من خلال تلك البطاقات الصغيرة المثبتة على أبواب الشقق.
تقول للحارس باستهجانٍ حتى بالعيد لا أحد يطرق باب أحد "صرنا زي الأجانب يا خوي!"، ولا تخفي حنينها إلى حارتها القديمة في عمّان الشرقية، حيث الصخب الحقيقي الدائر على مدى اليوم، صوت سيارة موزع الغاز تطلق أنغاماً موسيقية خفيفة، وتتوقف أمام بيوتٍ استفاقت فجأةً على ارتباك صباحيٍّ غير مرغوب. ثم تأتي سيارة الخضروات والفواكه وصوت البائع ينطلق غليظاً عبر مكبر الصوت، يدلل على بضاعته، مدّعيا أنها الأفضل في كل عمان.
في الجانب الآخر، ربّات بيوتٍ بلغن منتصف العمر، يتميّزن بأوزانٍ ثقيلة. ولكن، ما زلن مقبلاتٍ على الحياة، ينطلقن مثل سربٍ من البطات المكتنزة، يرتدين بدلاتٍ رياضيةً بألوانٍ زاهية، يتذمرن من نزق أولادهن المراهقين غير المستقرين عاطفياً، يكرّرن الحكايات نفسها عن مشاكسة أولئك العاقين الصغار، ويتبادلن المشورة حول طبخة اليوم، ويجبن شوارع الرابية، شبه الخالية إلا من العمالة الوافدة: حراس ومستخدمات منهمكون في تنظيف مداخل العمارات والسيارات الفارهة، حريصون على ترك الماسحات معلقةً في الهواء، لكي يتأكد أصحابها أنها نظفت جيدا.
دكاكين صغيرة في بناياتٍ لا يستدعي الدخول إليها تفتيشا أمنيا حثيثا، كانت في الأصل كراجاتٍ ملحقةً بالبنايات، وسرعان ما استثمرها متقاعدون تحوّلوا، في يوبيلهم الذهبي، إلى باعةٍ صغار، غير معنيين بتوسيع نطاق تجارتهم المحدودة، والتي لا تتعدّى احتياجات أهل الحارة الضرورية، لكنهم معنيون أكثر بالقضاء على أسباب الملل والفراغ وتزجية الوقت بما هو مثمر ومفيد، يحظون عادةً بشعبيةٍ كبيرة بين السكان، حدائق غناء "متعوب عليها"، هي في واقع الأمر ملك للمارّة، يتمتعون بها أكثر من مالكيها الأصيلين، تحيط بها بيوتٌ فارهةٌ، لكنها لا تشي بأي ملمح حياة، شوارع تكاد تخلو من المشاة طوال ساعات النهار، روح المكان متوفر، ولكن في حدّه الأدنى، مقابل الحضور الطاغي للحجر الباذخ والشجر المفتعل بالغ الأناقة.