عمال العراق في عيدهم... البطالة تدفعهم إلى الهجرة

01 مايو 2018
الصورة
عراقيون ينتظرون فرصة عمل (فيسبوك)


أكثر من ثلاثين بياناً رسمياً أصدرتها الوزارات والمؤسسات العراقية تبارك للعمال بعيدهم السنوي الذي أقرته بغداد عطلة رسمية في عموم البلاد. غير أن البيانات لا تشبع من جوع ولا تغني من فقر، وفقا لعاملين عراقيين اعتبروا أن عامهم هذا هو الأسوأ بسبب آفة البطالة التي تضرب العراق عموماً.

وتفاقمت البطالة عقب تدمير أكثر من 3 آلاف معمل ومصنع ومؤسسة إنتاجية وورشة خاصة وحكومية في محافظات شمال وغرب العراق ووسطه، بفعل احتلال تنظيم "داعش" وما تلاه من عمليات عسكرية لتحرير تلك المناطق، يضاف إليها الأزمة المالية في البلاد التي تسببت بإلغاء أكثر من 12 ألف مشروع تنموي واستثماري بالبلاد، وتراجع قوة القطاع الخاص بالبلاد.

وتقدر وزارة التخطيط العراقية عدد العاطلين عن العمل في البلاد بأكثر من أربعة ملايين شخص بنسبة تتجاوز العشرين بالمائة في البلاد. تتصدر بغداد والمثنى والأنبار المراتب الأولى في عدد العاطلين، وبالتالي نسبة الفقر فيها أيضاً.

"مساطر العمال" وهو الاسم الشعبي الشائع للساحة التي يقف فيها العمال فجر كل يوم بانتظار من يوقف سيارته ويطلب منهم عاملاً أو اثنين معه للعمل لديه، في إصلاح حديقة أو تنظيف المجاري، أو رفع أنقاض أو هدم جدار وغير ذلك. وينتظر آخرون مقاولين ثانويين يعتمدون على عمال "المساطر".

غير أن الساعة الثامنة من صباح كل يوم هي ساعة الرعب كما يقول عضو نقابة العمال العراقية، طه سعد، كون وجود العامل حتى الثامنة يعني أن أحداً لن يطلب خدماته، وإنه لن يوفق بعمل لهذا اليوم.




ويضيف سعد أن "نحو 60 بالمائة من عمال المساطر يعودون لبيوتهم بلا عمل، وهناك من يستغل العمال ويحتال عليهم ولا يعطيهم حقهم كاملاً، أو يماطلهم بأن يطلب منهم العودة في اليوم التالي أو الذي بعده ليأخذ ما تبقى له من مال، ولا يوجد قانون حقيقي يحمي الناس".

ويتابع "العمال بالعراق بحال سيئ، وأسرهم بحالة أسوأ، وخلف أبواب منازل العمال قصص مفجعة. لذلك تبدو بيانات الحكومة والمسؤولين التي تبارك لهم عيدهم، أشبه إلى حد كبير بقتل الضحية والبكاء عليها".


ولا يحصل أغلب عمال العراق على أجور كافية، التي تتراوح بين 10 و12 دولاراً يومياً في حال تمكنوا من إيجاد عمل، وهي أجور لا تكفي الأسرة العراقية. كما أن أجورهم لا تتضمن أي تأمين على الحياة أو الصحة.

جابر المعيني (39 عاما) لم يجد فرصة عمل في العراق بعد الدمار الذي لحق بمدينته الأنبار، وتضرر الحي الصناعي الذي كان يعمل به مياوماً، لكنه ينوي أن يهاجر إلى خارج العراق تاركاً خلفه زوجته وثلاثة أطفال.

يقول المعيني "لا يمكن الاستمرار بهذا الوضع، فلم أعد أستطيع توفير الطعام لزوجتي وأطفالي، وليس هناك عمل بعد الدمار الذي لحق بالمصانع والمعامل والأحياء الصناعية والمجمعات التجارية في المدينة، لذلك قررت الهجرة إلى تركيا بحثاً عن فرصة عمل هناك". ويضيف المعيني لـ"العربي الجديد"، "إذا استطعت الحصول على عمل هناك سأحاول استقدام عائلتي أو أرسل مالاً يوفر لهم إيجار المنزل وثمن الطعام على الأقل، فالأمر لم يعد يحتمل في العراق أبداً".

ولا يختلف حال عشرات الآلاف من العمال الآخرين عن حال المعيني، فهم فقدوا أعمالهم خلال السنوات الأخيرة الماضية بسبب الحرب والنزوح. وحين عادوا إلى مناطقهم وجدوا كل شيء مدمرا من محال ومجمعات تجارية وأحياء صناعية ومعامل ومصانع وورش.


ويقول حامد الجبوري إن "حال عمال العراق اليوم أسوأ ما يكون منذ عقود طويلة، فالأعمال متوقفة خصوصاً في المناطق المحررة، والدولة لم تدفع تعويضات للمتضررين لتحريك سوق العمل، وبالتالي بقينا نحن العمال في دوامة من الفقر والجوع". ويتابع "ليس أمام العمال خيار آخر سوى الهجرة إلى خارج العراق مع أول فرصة، لكسب لقمة العيش. لكن هناك مشكلة أخرى وهي ترك الأسرة والأطفال داخل البلاد يعانون الأمرين، إنه قرار لا مفر منه رغم قسوته".

هجرة العمال خلفت مشكلة أخرى لأسرهم التي تعيش في فقر شديد، وأغلبها يسكن في العشوائيات أو المناطق الفقيرة جداً.

تقول أم فرقد (37 عاما): "عندما توقفت الأعمال في العراق بسبب الحرب قرر زوجي الهجرة إلى خارج البلاد بحثاً عن لقمة العيش، وسافر إلى تركيا مع بعض أصدقائه قبل ثلاثة أشهر، وبدأ يرسل لنا بعض المال لأدفع إيجار المنزل وأسد معيشة الأطفال". وتتابع "لكن المشكلة الأخرى أن أسر العمال ليس لهم أي تأمين صحي أو ضمان اجتماعي كحال موظفي الدولة مثلاً، لذلك نحن نعاني كثيراً. هجرة رجالنا كان لا بد منها، فإما أن نموت من الجوع أو نحتمل هذا الوضع".


ويشعر العمال وأسرهم بالحزن الشديد في عيدهم هذا العام، بعد أن فارق كثير من العمال أسرهم بسبب الهجرة. في حين ينتظر آخرون دورهم لإيجاد فرصة عمل أو فرصة للهجرة.

وتشير إحصائيات رسمية إلى إن العمالة الأجنبية هي الأخرى تسببت بتزايد نسبة البطالة والإضرار بالعمال العراقيين، بسبب إقدام السلطات على استقدام عمال أجانب من إيران وباكستان وبنغلادش للعمل في مختلف المجالات بهدف تقليص نسبة الأجور.


وتكشف تقارير سابقة أصدرها الجهاز المركزي العراقي للإحصاء، أن عدد العاطلين عن العمل في البلاد يتجاوز 4 ملايين فرد من مختلف الأعمار، بينهم حملة شهادات جامعية. ويحذر الخبراء من استمرار إهمال الدولة للعمال، ما يعني فقدان البلاد لعشرات الآلاف من الأيدي العاملة خلال السنوات القليلة المقبلة بسبب الهجرة.

ويقول الخبير الاقتصادي شاهين الدليمي، إن "عدم اهتمام الدولة بالعمال وتركهم يواجهون قسوة الحياة بهذه الطريقة تدفعهم للهجرة، وبالتالي سيفقد العراق خلال السنوات القليلة المقبلة عشرات الآلاف من الأيدي العاملة، وهذا يعني إضراراً كبيراً بالاقتصاد العراقي".

ويبيّن الدليمي لـ"العربي الجديد"، أن نتيجة الحروب والصراعات ارتفعت نسبة البطالة في البلاد لأكثر من 40 في المائة، ووصلت نسبة الفقر إلى نحو 30 في المائة، وعلينا أن نتصور في هذه الحالة مأساة العمال العراقيين وأسرهم والضرر الكبير الذي لحق بهم".