عقوبات اجتماعية بديلة في تونس

20 ديسمبر 2017
الصورة
بانتظار الحكم.. العقوبة السجنية ليست الأفضل (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

قد لا يكون السجن وسيلة العقاب الفضلى لعدد كبير من "المجرمين". كذلك، وعلى الرغم من الادعاءات الكثيرة، فإنّ فرص الإصلاح والتأهيل شبه معدومة في سجون تونس.

تتعرض المؤسسة السجنية في تونس إلى انتقادات شديدة خلال السنوات الأخيرة على خلفية المشكلات الكثيرة المسجّلة في داخل السجون. وتزايدت الانتقادات بعد الثورة بهدف فرض معايير حقوقية نصّ عليها الدستور التونسي الجديد ومحاولة إعادة تأهيل المؤسسة بعد سنوات طويلة من المراوحة مكانها وعدم مواكبة المستجدات في العالم التي غيّرت المقاربة العقابية لتصير إصلاحية تسعى إلى إعادة تأهيل السجين ودمجه من جديد في مجتمعه.

وتعاني السجون التونسية من قلة الإمكانات التي تعرقل سعيها الى تطوير بناها بما يتلاءم مع المعايير الدولية، وإعادة تأهيل العاملين فيها والمشرفين عليها، وتنويع برامجها المهنية لمنح فرص جديدة للمساجين تمكّنهم من العودة إلى دورة الحياة الاجتماعية الطبيعية والتخلّي عن خيار مواجهة المجتمع الذي يعيدهم إلى السجن.

وعلى الرغم من الجهود التي تُبذَل في هذا الإطار والتعاون مع دول أخرى ورفع موازنة السجون، فإنّ هذه الأخيرة تشهد اكتظاظاً كبيراً. وقد كشف وزير العدل، غازي الجريبي، في جلسة استماع للجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، أنّ كلّ السجون التونسية تجاوزت طاقة استيعابها القصوى، مشيراً إلى أنّ السجين الواحد يكلّف الدولة يومياً 32 ديناراً تونسياً (نحو 13 دولاراً أميركياً). كذلك أفاد أنّ نسبة العودة إلى السجون التونسية بعد قضاء العقوبة وإخلاء السبيل تبلغ 39 في المائة، إذ بلغ عدد العائدين إلى السجون تسعة آلاف و210 أشخاص.

وتعكس هذه الأرقام فشلاً في إعداد السجين وتأهيله من قبل المؤسسة السجنية من جهة، وعدم قدرة المجتمع على دمج هؤلاء فيه من جهة أخرى، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر كلياً في الإجراءات المتّخذة والبحث عن حلول عميقة قانونية وإجرائية ووقائية وتربوية لحلّ المشكلات.
وتحاول تونس التخفيف من حدّة الاكتظاظ عبر مراجعة بعض القوانين وتخفيف العقاب، مثلما حدث مع قانون استهلاك الحشيش للمرّة الأولى. يُذكر أنّ السجون التونسية تمتلئ بشباب سقطوا في فخّ الحشيش هرباً من إخفاق اجتماعي واضح أو انسداد أفق الأمل لدى بعضهم. وقد طرحت قبل فترة فكرة العقاب البديل الذي يُعَد تجربة ناجحة في بلدان كثيرة.


ويؤكد المتحدث الرسمي للإدارة العامة للسجون والإصلاح، سفيان مزغيش، لـ"العربي الجديد"، أنّ "تونس تتّجه نحو تفعيل العقوبات البديلة أو ما يعرف بالمكاتب المصاحبة للسجون بهدف الحدّ من الاكتظاظ في داخلها وكذلك من العقوبات السالبة للحرية والوقاية من العودة إليها". ويوضح أنّ "تونس تعمل على ترسيخ العمل لفائدة المصلحة العامة عوضاً عن الأحكام القضائية في بعض التهم التي لا تمثّل خطراً على المجتمع". يضيف مزغيش أنّ "العقوبة البديلة هي عبارة عن مصالحة مع المجتمع تستوجب آليات متابعة ومراقبة للأشخاص المحكومين. ومثل هذه العقوبة تُتَرجَم في ساعات عمل تكون بمعدّل ساعتَين في اليوم، ويخضع المحكوم عليه إلى المتابعة والتأكد من مدى امتثاله للعقوبة. وهو أمر سوف تسهر على تطبيقه مكاتب مصاحبة تُنشأ لهذا الغرض. وبالفعل، أنشئت ستّة مكاتب في محاكم تونسية على أن تعمّم لاحقاً في بقيّة المحاكم، في إطار برنامج دعم إصلاح القضاء الذي يجري العمل عليه بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي".

ويتابع مزغيش أنّه "جرى اختيار 20 مرافقاً عدليّاً من المتخصّصين والجامعيين الذين انتدبوا، أخيراً، على ذمّة قضاة تنفيذ العقوبات، لمتابعة تفعيل العقوبات البديلة، خصوصاً عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة". ويشرح أنّ "هذا الإجراء يشمل كل الجرائم البسيطة والتي لا تمثّل خطراً على المجتمع، منها الجنح والمخالفات، ويتطلّب أن يكون الشخص مبتدئاً أو ارتكب مخالفة أو جنحة تقلّ عقوبتها عن سنة واحدة ومنصوص عليها في القانون الذي يضبط شروط الانتفاع من العقوبات البديلة".

ويشير مزغيش إلى أنّ "العقوبات البديلة والعمل للمصلحة العامة من شأنها أن تحدّ من اكتظاظ السجون وأن تحافظ على روابط الشخص مع محيطه وعائلته، إذ في إمكان المحكوم أن يبقى مع أبنائه ومتابعتهم. لكنّ هذه العقوبة لا تشمل من لديه سوابق عدلية، وتُراعى جوانب عدّة في سياقها من قبيل محافظة الشخص على عمله".

أسلاك شائكة وسجناء (ألان جوكار/ فرانس برس)


ويوضح مزغيش أنّ "تجربة العقوبة البديلة تطبّق اليوم في سوسة، وسوف يُصار إلى توسيعها في عام 2018، مع استكمال الإطار القانوني للمكاتب المصاحبة إلى جانب تدعيم تجربة المراقبة عن طريق السوار الإلكتروني الذي يشمل المحكومين في جنح والموقوفين كذلك. وهي إجراءات للإصلاح وللحدّ من العقوبات السالبة للحرية".

ويفصّل مزغيش تلك العقوبة قائلاً، إنّها "تنصّ على تقديم عمل مجاني للمجتمع كطلاء قاعات المحكمة والتنظيف والبستنة والعمل في الحدادة والنجارة لفائدة مؤسسة عمومية. والمحكوم يخضع إلى فحص طبي للتأكد من أنّه مؤهّل للعمل. وفي إمكانه الحفاظ على عمله الأساسي، فيُصار إلى جمع ساعات العمل لفائدة المصلحة العامة مثلاً مساء الجمعة. ويجري التنسيق مع مشغّله لمتابعة سلوكه ومدى انضباطه عند قضائه العقوبة البديلة".

من جهته، يقول المتخصص في علم اجتماع السجون، سامي نصر، لـ"العربي الجديد"، إنّ "العقوبة التي تقتضي العمل للمصلحة العامة معروفة على الصعيد العالمي، وهي أظهرت نتائج إيجابية في بلدان عدّة، لا سيّما وأنّها خفّضت من اكتظاظ السجون. ولأنّ تونس تعاني من الاكتظاظ، فهذا يعني استحالة التأهيل والإصلاح داخل السجون". ويشير نصر إلى أنّ "هذه العقوبة صادقت عليها تونس في مايو/ أيار من عام 1999، لكنّها لم تطبّق إلا في عام 2015، أي بعد 16 عاماً. وهو الأمر يطرح تساؤلات عدّة حول أسباب عدم تطبيق هذا القانون طيلة تلك الأعوام". يضيف أنّ "موضوع العقوبات البديلة اقترن كثيراً بالحدّ من العودة إلى الجريمة، وهو أمر ليس صحيحاً دائماً. فالذين يعودون إلى السجون ليسوا دائماً من مرتكبي الجرائم الخطيرة، بل من الذين عاودوا جرائم غير خطرة تتعلّق بسرقة أو نهب، وكذلك جرائم خفيفة أخرى يسهل ارتكابها". وإذ يؤكد أنّ "هذا القانون لا يشمل مرتكبي الجرائم الخطرة مثل جرائم القتل"، يوضح أنّ "90 في المائة من هؤلاء هم أشخاص غير محترفين وقد ارتكبوا جريمتهم للمرّة الأولى".

ويشدّد نصر على أنّ "فكرة العقوبات البديلة جيدة وهي من أرقى العقوبات الإصلاحية. والفئة التي سوف تخضع إليها في حاجة إلى دراسة معمّقة من قبل خبراء في المجال". ويشرح أنّ "ثمّة جرائم تحتاج إلى متخصص نفسي وليس إلى سجّان. وعادة، لا يُصار إلى التفكير في المحيط والدوافع التي دفعت الشخص إلى ارتكاب جريمته، وبالتالي البحث في كيفية إصلاحه". إلى ذلك، يقول إنّ "العقوبة السجنية مكلفة للدولة في حين أنّ العقوبة البديلة عبر الخدمة للصالح العام مربحة ومن شأنها توفير مداخيل للدولة"، لافتاً إلى أنّه "قد يكون من الأنسب أن تصبح العقوبة البديلة هي الأساس والعقوبة السجنية هي الاستثناء".


دلالات