عقدة المعارضات الكلاسيكية

02 ابريل 2015
الصورة
في حسابات المعارضة الكلاسيكية تكون الأيديولوجيا هي المعاير الأول(Getty)

تميزت الحياة السياسية في جُل المنطقة العربية، بمنطق سواد الهيمنة واصطفائها لصالح أطراف بعينها طوال عقود ما بعد مرحلة الاستقلال الوطني، أي في أقل تقدير، على مدار النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الذي يليه، وصولا للمقدمات الحراكية الاحتجاجية الممهدة لانطلاق الثورات العربية. والمقصود بهذه الهيمنة، ليس فقط سطوة الدكتاتوريات الاستبدادية وما فرضته من تهميش اقتصادي وسياسي، وبالتالي عتم ثقافي اجتماعي على حياة المجتمعات التي وقعت تحت تسلطها، بل أيضا هيمنة أشكال وقوالب واحدة وحيدة من البنى المعارضة، التي قوامها أحزاب تقليدية، على مساحة ما هو متاح من معارضة وتحرك خارج حلقة السلطة، حتى إن السلطة ألفت هذا النمط من المعارضة، بل ونجحت في احتواءه، والأنكى أن المعارضة أيصا استساغت دورها والحيز المعطى لها وتساوقت معه، بل وطبعت وجودها وطيعت فعلها من ضمن هذا المتاح.

كما أن حالة حصر وتطبيع أخرى، شابت أداء هذه المعارضة/ات، فالوقفة لا يجب أن تكون عند حدود الأحزاب وتطبيعها لشكل علاقتها اللاطبيعي مع السلطة، بل الأهم أن ياخذ بالحسبان انغلاقها، أو حصرها لمساحة الفعل والتفكير فيها ومن ضمنها بما هو مطابق للأيديولوجيا التي تدين بها، إذ أصبحت الأيديولوجيا معيارها الأول، قبل موقعها السياسي، أو بالأحرى موقعها من السياسة.

وحين أنعم الشباب العربي على تاريخه بهبات وانتفاضات وثورات منذ 2011، بدا جليا دور هذا الحراك المفاجئ والثوري في كسر المعادلة البطريركية، بل والوصاية الحزبية الأبوية على مساحة الفعل السياسي، والتفكير في السياسة أيضا. مما شكل إرباكا لبنى المعارضة الكلاسيكية، الحزبية على وجه الخصوص، فلم يكن هينا أن تفقد ما اعتقدت امتلاكه عقودا طوال لصالح شباب لا يتجاوز عمر أغلبه نصف عمر أي حزب من أحزاب التكلس الأيديولوجي والاهتراء السياسي. وهذا كان أحد عوامل، أو عتبات العبور إلى كبريات خطايا الثورات العربية، فردة فعل الأحزاب التقليدية على الشعور بتجاوزها من قبل الشباب، بل وتخطي مقولتها بمجملها، إذ لم ينادِ شباب الربيع العربي بالإصلاح قدر ما فرضوا مطلب التغيير، والتغير الجذري لا التجميلي، جاءت بتنافس الأحزاب على السلطة، وكأن المهمات جميعها أنجزت، والثورة اختمرت بل ونضجت ثمارها، بدل التخلص الكامل من النظام القديم واستكمال الثورة بما تتطلبه من بناء، وتقديم ما يليق بحاجة الحراك الثوري من خبرات سياسية وإسناد، مما سهل مهمة تحالف الثورات المضادة للثورات العربية، ويسر الانقضاض عليها، مهيئا لأعدائها بأنها صيد طري العنق.

كما يؤخذ على المعارضات الكلاسيكية، أن لديها ما يتعلق بالعصبية الحزبية يكون فوق الأخلاق، وهذا يرتبط بشكل وثيق بتقوقعها الأيديولوجي، بينما الأخلاق والمصلحة هي ما يحرك الإنسان الحر ليلتقي مع أي حزب في مفصل ما، مع شرعية حقه في الاختلاف، بل والتناقض في الكثير غير المفصل الذي تم عليه التلاقي.

إذاً، لم يكن الواقف أمام ثورات الشباب العربي سلطة ودكتاتوريات فقط، بل أيضا جابه هؤلاء بنى تقليدية على ساحة المعارضات كما على حلبة الأنظمة، كما غرقوا في أتون تنازع الأحزاب على السلطة التي لم تكن الثورة قد حازتها بعد. كما لا يغيب عن بال خطورة الطائفية السياسية التي ابتلي فيها الشارع في بلدان الثورات العربية، بما لها من أثار وما يتطلب تفاديها من أثمان.

من هنا يبدأ التفاعل مع سؤال علاقتنا، نحن الشباب العربي، بالأحزاب، وإشكالية هذه العلاقة، بخاصة ما بعد انطلاق الثورات العربية؟!


راسلونا على: jeel@alaraby.co.uk