عصام العريان .. بين الشخصي والعام

25 اغسطس 2020
الصورة

مشاعر كثيرة أثارها خبر وفاة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عصام العريان، رحمه الله، في محبسه في سجن العقرب سيئ السمعة في مصر، تراوحت ما بين الشخصي والعام. بدأت معرفتي بالرجل عن طريق مقالاته السياسية التي كان ينشرها في صحف معارضة، وكانت تتميز بالرصانة والعمق، وأشبه بدراسات قصيرة، عكس مقالات كثيرة كان يكتبها قياديون في الجماعة وتنشرها صحيفتهم "آفاق عربية"، واتسمت بالسطحية الشديدة والركاكة. وكانت معظم مقالات هؤلاء تجميعا لآيات من القرآن الكريم مع كتابة تعليقات بسيطة قبلها، بحيث يُسقطون تلك الآيات على المشهد السياسي في مصر والعالم الإسلامي، بطريقة متعسّفة وساذجة للغاية. وبعدما التحقت بالدراسة الجامعية، كان عصام العريان يخطب الجمعة، ويصلي في أحد المساجد القريبة للغاية من مسكني، وكثيرا ما قابلته، أنا وزملائي في السكن، بعد خروجه من المسجد لمناقشة أمور في عدة مجالات، وكان متواضعا ومرحّبا بالنقاش والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، كما التقيت نجله إبراهيم في عدة مناسبات، ولا يختلف عن والده.

انتقد القرضاوي استبعاد العريان من عضوية مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، وقال إن استبعاد الإصلاحيين "خيانة"، فاتهمه بعضهم بالجهل وعدم المعرفة!

أما المشاعر العامة فتعلقت بالأزمة التي وقعت عام 2009، عند تصعيد عصام العريان إلى عضوية مكتب الإرشاد، واعتراض أعضاء في المكتب على ذلك، وأدّت إلى اعتكاف المرشد الراحل، محمد مهدي عاكف، في منزله، وتطورت بعد ذلك إلى أزمة أكبر مع خروج محمد حبيب نائب المرشد من الجماعة. ولم يكن خافيا أن الذين عارضوا تصعيد العريان قادوا حملة تشويه ضده على مستوى الجماعة سنوات، إلى درجة أن السياسي والبرلماني السابق، مصطفى النجار، فرّج الله كربه، والذي كان ينتمي للجماعة في ذلك الوقت، حكى لي أن عضوا في "الإخوان" قال له إن عصام العريان "يحمل أجندة أميركية"! ووصلت الحملة إلى مستوى (أو منحدر) آخر بعد تدخل الشيخ يوسف القرضاوي، والذي انتقد استبعاد العريان، وقال إن استبعاد الإصلاحيين من الجماعة "خيانة"، فردّ عليه بعضهم وشنوا عليه هجوما كبيرا، واتهموه بالجهل وعدم المعرفة! ووجّه إليه أحدهم (لن أذكر اسمه لأنه معتقل حاليا، فرّج الله عن الجميع) رسالة طالبا منه الانحياز إلى "المبادئ"! وانتهت الأزمة إلى إجراء انتخاباتٍ شهدت تصعيد العريان واستبعاد عبد المنعم أبو الفتوح، لتسير الجماعة إلى مصيرها الحالي بعد تمكّن أفرادٍ بعينهم، أو ما يعرف بـ"التيار المحافظ" بزعامة محمود عزت وخيرت الشاطر من مفاصل الجماعة، وهو التيار الذي قادها إلى أكبر انتكاسةٍ وهزيمةٍ في تاريخها.
وقد اتضحت مهزلة تهميش العريان بشدة بعد ثورة 25 يناير (2011)، بعدما استبعدوه من كل المناصب السياسية المهمة، وأسندوها إلى أشخاصٍ لا يملكون ربع تاريخه وخبرته السياسية، فلم يتم إسناد منصب رئاسة حزب الحرية والعدالة إليه، ولا حتى منصب الأمين العام، بل عين نائبا لرئيس الحزب، وهو منصبٌ شرفي بلا صلاحيات محددة. وعندما تكوّن أول برلمان منتخب بعد الثورة، لم يتم اختيار العريان رئيسا له، ولا حتى زعيما للأغلبية، وكذلك تم اختيار أحمد فهمي رئيسا لمجلس الشورى، وهو لا يمتلك أي مؤهلات، ربما باستثناء أنه صهر الرئيس الراحل محمد مرسي، واتضح هذا بشدة في أدائه البائس في المجلس بعد ذلك، فيما أسندت للعريان في النهاية زعامة الأغلبية في مجلس الشورى، وهو موقعٌ لا يقارن بأهمية المناصب المذكورة. وبالطبع، لم يكن متاحا على الإطلاق مجرّد التفكير في ترشيح الحزب العريان للرئاسة، أساسيا أو احتياطيا.

اتضحت مهزلة تهميش العريان في الجماعة بشدة بعد ثورة 25 يناير ، بعدما استبعدوه من كل المناصب السياسية المهمة

وبعيدا عن الأجواء داخل جماعة الإخوان المسلمين، ارتبط اسم عصام العريان بواقعة أخرى متعلقة بالحرب القذرة التي شنتها وسائل الإعلام المصرية المملوكة لرجال الأعمال ضد ثورة يناير، والتي استخدمت فيها كل وسائل التحريض والتشويه ونشر أكاذيب وتلفيقات لا تُعد. وقد حرصتُ على تجميع أبرز تلك الأكاذيب، وكتبت عنها عددا من المقالات، أبرزها ما نشرته صحيفة "المصري اليوم" في فبراير/ شباط عام 2012، عن وجود خطط لتخريج دفعات من كلية الشرطة ينتمي أفرادها بالكامل إلى جماعة الإخوان المسلمين. وأن قيادات الجماعة اقترحت على وزير الداخلية حينها أن تخصص للإخوان حصة في تعيينات جهاز الشرطة، على أن يكون هناك ثلاثة آلاف فرد وأمين شرطة من أعضاء الجماعة، وأن يكون نحو 10% من المقبولين في كلية الشرطة من المنتمين للإخوان. حاولت الصحيفة أن تذكر تفاصيل للتدليل على صحة خبرها الكاذب، فكتبت إنه تم قبول نجل عصام العريان وآخرين في الدفعة الأخيرة لكلية الشرطة. ووقعت الصحيفة بذلك في شر أعمالها، إذ فجّر ذلك الخبر موجة من السخرية، بعد أن اتضح كذب الصحيفة وتدليسها، لأن العريان ليس له إلا ابن واحد، وكان قد تخرج وقتها ويعمل طبيبا، فلا يعقل أن يكون ضمن الدفعة الإخوانية المزعومة في كلية الشرطة، حسب الصحيفة الكاذبة التي تخصصت في نشر آلاف من الأكاذيب طوال تلك الفترة، وتحتاج مجلدات لتوثيقها وفضحها.

مقالات العريان كانت تتميز بالرصانة والعمق، عكس مقالات كثيرة كان يكتبها قياديون في "الإخوان"

.. خسرت مصر واحدا من قلة قليلة للغاية يمكن أن يطلق عليهم لقب "سياسيين" بالمعنى الحقيقي للكلمة. وخسرت جماعة الإخوان المسلمين وحزبها واحدا من الشخصيات القليلة التي تملك فهما واسعا وعميقا للمشهد السياسي، كان يمكن أن يشكل جسرا بينها وبين التيارات الأخرى، إذا تغير الظرف السياسي في مصر يوما.