عبد القادر المهيري: اللغويون العرب ومحنة زمانهم

19 مايو 2016
الصورة
المهيري في بورتريه لـ أنس عوض (العربي الجديد)

طالما عانى اللغويون العرب المعاصرون من إهمال الجمهور، مع أنَّ إنجازاتِهم في بناء الفكر الحداثي لا تنكرُ، ومجهوداتهم المعرفية في بلورة مقاربة علمية-موضوعية للغة لا تُجحد. كأنهم نكراتٌ، يشتغل اللغويون العرب بين جفاف المادة الألسنية وغموض الشروح النحوية، ثم يرتحلون في العتمة. ومن أبرز هؤلاء اللغوي التونسي الراحل منذ أيام، عبد القادر المهيري.

كان المهيري من رُوَّاد الجيل الأول من جامعيين تونسيين قلائل، اطَّلعوا على النظريات اللسانية الحديثة في منابِعها الأصلية وتشبَّعوا من نصوصها لدى مؤسّسيها. وبعد التمكُّن منها، في مَدارج الجامعات الفرنسية، عاد يُساءِل كتبَ التراث النحوي والبلاغي على ضَوء تلكَ النظريات، مزاوجًا في قراءته بَينَ آليات الخطابَيْن: ألسني وصفي ونحويٍّ معياري.

وَهكذا وقفَ المهيري أعماله ومقالاته - في ثنايا مَجلة الحياة الثقافية وحوليات الجامعة التونسية- على إظهار الإسهام العربي التراثي في بناء التفكير اللساني الإنساني، بعدما أغفلَ مؤرخو العلوم الغربيون الحقبةَ العربية وقَفزوا مِن المرحلة الهلينيَّة إلى النهضة الأوروبية، كما لو كان ما بَينهما فراغاً.

استقرأ المهيري كلَّ ما كتبه النحاة العرب مثل سيبوبه في "كتابِه" وابن جِنِّي في "خَصائصه" (وهو موضوع أطروحته في الدكتوراة) وابن يَعيش والأستراباذي في شروحهما، وأظهر - بشكل نَسقيٍّ- إسهامَهم في بلورة العديد من المفاهيم الإجرائية والنظرية التي تُعين على فَهم تشعب الظَّاهرة اللغوية ومُستويات الخطاب والآليات الصورية لتشكيل المعنى، كما دَلَّل بالنصوص القاطعة أنَّ ما توصل إليه علماء الألسنية المعاصرون كان قد سَبَقَ إليه، ومنذ قرون، النحاة العرب والبلاغيون. فَأعاد بأعماله تلكَ كتابَةَ حلقة في تاريخ التفكير اللغوي العالمي وزَحزح الهيمنة الثقافية الأوروبية في الـتأريخ.

ومن جهة ثانية ساهم المهيري في تأصيل المفاهيم اللسانية الحديثة، التي شاعت بدءًا من لَحظة فرديناند دي سوسير، فأصَّل لمفاهيم إجرائية مثل الصوت واللفظ والمَعنى والتقطيع المزدوج والنسق... وعشرات أخرى من المفاهيم التي قامت عليها اللسانيات.

ولذلك يُعَدُّ المهيري من ألمع المشاركين في حَركة ترجمة المصطلحات العلمية وإدماجها في الخطاب العربي بفضل عملٍ توليدي دؤوب، زواج فيه بين صرامَة التسمية العلمية والتجذر التراثي، ناقلاً بذلك التصور اللغوي من الدائرة المِعيارية الضيقة إلى الخطاب الوصفي الجاف، بما يتناول اللغة العربية كظاهرة بحثٍ لا كموضوع تقديس، وكتساؤل أصلي، لا كغرضٍ وجدانيٍ.

وكان له بذلك فضل السبق في تطوير اللغة العربية ذاتها إذ فَتَحَ المجال لها لتكوين لغة العلوم الاجتماعية وأداة التدريس الجامعي، بعيدًا عن التنميق اللفظي الأجوف. وهكذا، حمل الهمُّ النحوي – عند المهيري- في طياته همًّا قوميًا، كان يدفعه إلى المنافحة عن الإسهام الجوهري للنحاة العرب، ولكنه خَضع في منافحته تلك إلى ضربٍ من ضغط التمجيد والتضخيم، ربما دفعه إلى نزع بعض المفاهيم من سياقاتها الثقافية التقليدية، أو إلى تحجيم الأنساق النظرية الحديثة.

تَجربة رائدة ما تزال ثمارها تنتظر النضج، ونُضجها في تمكّن العرب من إنتاج خطاب وصفي-عربي عن العربية، بل وعن لغات العالم دون الارتهان بما كتبه الأساتيذُ الفرنسيون.