عبد الرحمن اليوسفي .. الاستثنائي ورجل الإجماع المغربي

30 مايو 2020
الصورة
توقف قلب القائد التاريخي الكبير والوزير الأول المغربي السابق وأحد أبرز وجوه الحركة الوطنية المغربية وأيقونة النضال اليساري، عبد الرحمن اليوسفي، عن الخفقان، أمس السبت عن 96 عاما، بعد حياة خصبة ومتشعبة. وعلى الرغم من شيخوخة الرجل، ومرضه منذ سنوات، إلا أن وقعا أليما كان لنبأ وفاته على عموم الشعب المغربي، بكل مكوناته وأطيافه السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية والثقافية، فالجميع، من الملك محمد السادس إلى أي مواطن، يرون في رحيل اليوسفي خسارةً جسيمة لا تعوّض، فهو سليل تجربة نضالية طويلة ومركّبة ونادرة، يتداخل فيها الواقعي بالأسطوري والتراجيدي والتاريخي، تجربة صاغها بقناعة المناضل الصلب، والحقوقي المتشبع بالمبادئ الكبرى، والسياسي الذي بنى ممارساته وعلاقاته ومواقفه على القيم والمثل والأخلاق. وقد جعلت هذه الخصال منه شخصيةً وطنيةً تحظى بالتقدير العالي، في بلده وخارجها، فقد كان ضرورة تاريخية بالنسبة للمغرب والمغاربة. والمؤكد أنه حاز من السجايا والمؤهلات ما جعله ينال الاحترام والاعتراف من كل الأطراف.
شخصية عبد الرحمن اليوسفي استثنائية من معدن خاص. ينعقد الإجماع عليه، وتتراجع بشأنه المواقف السياسية وتتلاشى الألوان الحزبية وتذوب الخلافات الإيديولوجية، فلا يمين ولا يسار، لا سلطة رسمية ولا أغلبية حكومية ولا معارضة. وهذا بالتأكيد ما ينسحب على رجل دولة كبير، عرف كيف يدير مرحلةً حرجةً من المسار السياسي للمغرب الحديث، عندما عينه الملك الراحل الحسن الثاني في العام 1998 وزيرا أول لقيادة حكومة تناوب سياسي توافقي، كانت حلقةً حتميةً وضرورة سياسية لإنقاذ البلاد مما وصفها الحسن الثاني نفسُه بالسكتة القلبية، ولضمان انتقال سلس للمُلك، وخصوصا أن الملك كان يشعر بأنه لم يبق أمامه ما يكفي من العمر، فالمرض كان قد نال منه كثيرا. وبهذا المعنى، كان اليوسفي صمّام أمانٍ لمغرب ما بعد رحيل الحسن الثاني، وإحدى الضمانات السياسية الموثوق بها، على الرغم من شراسة مواقفه ضد نظام الحكم ومعارضته القوية الاختيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خصوصا في ظرفيةٍ تاريخيةٍ محتقنة ومضطربة، كان فيها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي انتمى إليه اليوسفي، رقما صعبا في المعادلة السياسية، وفاعلا أساسيا في الحقل الحزبي برموزه التاريخية التي رحلت، كالقائد المختطف المهدي بن بركة والفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم.
لا يتكرر الكبار ولا يحل محلهم أحد، وهنا مكمن الخسارة المطلقة، لأنهم يرحلون في اللحظات الحرجة، حيث الحاجة ماسّة إلى الحكمة والإنصات والرأي السديد. واليوسفي كان فارسا في 
ميدان السياسة والأخلاق، وكان النموذج والمثال. ولهذا يعتز المناضلون الذين ظلوا ماسكين على الجمر، وثابتين على الموقف، والمعجبون بقيم اليوسفي النضالية والأخلاقية، ويتباهون بانتماء هذا الرجل إلى مدرسة الأخلاق والفضيلة ونكران الذات، سيما أنه بقي وفيا للمبادئ التي تبنّاها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وقيمه. وظل هاجسه، حتى بعد اعتزاله السياسة، وتقديم استقالته من مسؤولياته الحزبية عام 2002، الدفاع عن المشروعية ومناهضة الإقصاء، وتوحيد صفوف الحزب، ومحاولة نفخ الروح فيه، بعدما أنهكته (الحزب) سنوات تسيير الشأن العام وصراع المصالح بين أجنحته المتنفذة. واللافت أن مناسباتٍ عديدةً كان السي اليوسفي يتحوّل فيها إلى بؤرة مركزية ونجم يغطي على الحدث الذي يأتي للمشاركة في صنعه، أو المساهمة في إضفاء مسحة من الجاذبية عليه. وبلغةٍ أدق، يخطف الأضواء، ويجعل الكل يلتفت إليه بعفوية وتلقائية. وفي احتفال حزب الاتحاد الاشتراكي في العام 2009 بمرور نصف قرن على تأسيسه، حيث أراد أن يجعل من الحدث دليل إثبات على تاريخيته وتجذّره، ورسالة سياسيةً على مناعته وقوته، كان اليوسفي مركز التظاهرة، خصوصاً في وقتٍ أصبح فيه الحزب يعيش حالة ارتباك وغموض وفتور، وكاد أن ينزلق إلى الأسوأ، بعد هزّات وعواصف وصراع مصالح ومواقع. كان الجمهور الذي حضر الاحتفال متنوعاً، وينتمي إلى فئات اجتماعية وعمرية وحساسيات فكرية وسياسية مختلفة. كان هناك خصوم الأمس الإيديولوجيون وحلفاء اليوم السياسيون، غير أن هذا لم يكن قادراً على رسم مسار آخر للحدث، فبدا واضحاً، منذ الوهلة الأولى، أن حضور اليوسفي سيلفت الأنظار، وسيزعج قياداتٍ عديدة لا تحظى بالشعبية والتقدير والإعجاب. كان الرجل في الحفل أشبه بقطعة مغناطيسية، لها قوة الجذب والتأثير، فالابتسامة الدالة على الثقة في النفس لا تفارقه، والجسد يمشي منتصب القامة، على الرغم من تقدّم السن، والتفاعل مع الناس حاضر بقوة، والذاكرة متقدة، والاهتمام بالهندام لا تنازل عنه. وعندما يحضر الرصيد الأخلاقي والسياسي والنضالي للرجل، ويتضافر مع الصفات التي سبقت الإشارة إليها، ينحت من هذه المكونات صورة قائدٍ يملك سلطة الكاريزما وقوة الأخلاق والقدرة على إحراج العقل السياسي والحزبي، عندما يتعلق الأمر بالمواقف الحاسمة.
تكرّر الشيء نفسه في مناسباتٍ أخرى، حيث يتحول اليوسفي إلى ملجأ رمزي لكثيرين من 
منتسبي الاتحاد الاشتراكي وناشطيه وأنصاره، علماً أن الرجل متقدّم في السن، ويخفي داخله خيبات أمل كثيرة. وهنا السؤال: بماذا يمكن تفسير التصاق وتعلق اتحاديين عديدين، وخصوصاً الشباب، بشخص عبد الرحمن اليوسفي؟ ألا يدل هذا السلوك على حاجةٍ ملحةٍ إلى قائد من عيار اليوسفي؟ أليست مواقفه، وربما وضوح مسعاه وطريقه، هي الدوافع المنطقية والموضوعية التي تحرّك المشاعر، من حين إلى آخر، في نفوس قطاع عريض من الاتحاديين، وتولّد لديهم حاجة ملحة لضرورة تدبير أمور السياسة وشؤون الحزب بأسلوب مغاير؟
ماذا لو ظل اليوسفي على رأس حزب الاتحاد الاشتراكي، أو على الأقل عضواً في قيادته لمرحلة معيّنة، هل كان الحزب سيؤول إلى المصير نفسه؟ هذا سؤال يتبادر، تلقائياً، إلى ذهن كل مراقب محايد يقرأ الأحداث في أبعادها وسياقاتها الحقيقية، فغالباً ما يجد الرجل نفسه مطوّقاً بنشطاء كثيرين، خصوصاً الشباب، حيث يكون الحرص شديداً على أن يلتقط كل من وجد لنفسه فرصة سانحة صورة تذكارية مع اليوسفي الذي يظهر، لعين المراقب، أشبه برجل إنقاذ، يتمسك به جزء من الاتحاديين، وهم يهمسون في أذنه، أو يقولون له بصوت عال "طال انتظارك ما عودتنا غياباً، أبا المناضلين، ارجع نحن ننتظر".
أكمل اليوسفي دوره وأتم رسالته، ولكن للاستنجاد به دلالات خاصة وعميقة في السياق المغربي، فالماضي بالنسبة لفئات واسعة من المغاربة ليس مجرد صيغة زمنية محايدة وجامدة، أو رديفا لتجارب معينة اكتملت وانتهت صلاحيتها في الزمان والمكان، بل يمكن القول، من دون أدنى مجازفة، إن اللجوء إلى الماضي السياسي والنضالي الوطني، وإلى الزعامات التاريخية الكاريزمية من حجم اليوسفي بات سمة بارزة لقوى سياسية، يسارية خصوصا، لمس بعضها عن كثب هول التصدّعات التنظيمية التي أصابتها، وعمق الخلافات التي اخترقت صفوف ناشطيها، وحدّة المشكلات التي سارت تضغط عليها، وبعضها أدرك حجم الخصاص والعجز المسجلين على مستوى العمل الجماهيري والميداني، والتراجع الملحوظ في الإشعاع الفكري والالتزام والوفاء والوضوح الإيديولوجي.
خلال إحياء الذكرى الخمسين لاختطاف المناضل اليساري المغربي المهدي بن بركة، يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، في الرباط، بمبادرة من اليوسفي، بدا واضحا أن الحدث لم يكن عاديا على كل الأصعدة، فالحشود المنتمية إلى معسكر اليسار التي حجت إلى مكان الحدث أثبتت أن تدفقها بتلك الكثافة على مكان (المكتبة الوطنية) يستضيف حدثا رمزيا ودالا، أظهر الحاجة الملحّة إلى ضرورة استنهاض اليسار المغربي، والعمل على تجميع مكوناته، وتوحيد خطواته وتنسيق جهوده ومعاركه النضالية، كما كشفت تلك الجموع والرموز والوجوه التي اجتاحت معظمها تجاعيد الزمان ومحنه أن السياق السياسي الحالي، بمعطياته وملامحه العامة، ليس في
 صالح قوى اليسار، ولا سيما في ظل انعدام المبادرات المجمعة والموحدة التي يُفترض أن تقف وراءها قياداتٌ تحظى بالمشروعية السياسية والنضالية والأخلاقية، وبالمصداقية التي تؤمّن حدا معقولا من الثقة والقبول الجماهيري. وحتى عبد الرحمن اليوسفي، رفيق درب بن بركة، هدّته سنوات النضال والمنفى، وأرهقته المسؤولية الحزبية، عندما كان على رأس الاتحاد الاشتراكي، بعد رحيل القائد التاريخي عبد الرحيم بوعبيد، وأخذت منه مسؤولية رجل الدولة الكثير عندما كان وزيرا أول. وتبعا لذلك، وبحكم عمره المتقدم، والمسافة التي أقامها بينه وبين العمل السياسي والحزبي المباشر، قد لا يمثل الرجل المناسب الذي يمكن أن يشكل الدينامو المحرّك لأي عملية تهدف إلى لم شتات اليسار المغربي، بما في ذلك ترميم بيت الحزب الذي قاده بحكمة ورزانة، قبل أن يستقيل من كل مهامه، على الرغم من الكاريزما التي تطبع شخصيته والمشروعية التاريخية والأخلاقية التي يتمتع بها.
وشكل حفل الاحتفاء بصدور مذكراته "أحاديث في ما جرى"، بأجزائه الثلاثة، والتي أشرف على إنجازها رفيقه وصديقه الاتحادي والحقوقي مبارك بودرقة (عباس)، حدثا تاريخيا في الرباط يوم 8 مارس/ آذار 2018. كان الحدث تكريما لقامة سياسية وطنية تقدّمية. ولوحظ أنه من زمان، لم تسجل جنبات مسرح محمد الخامس العدد الهائل من الحضور، ضاق بهم المكان في الطابقين الأرضي والعلوي. وكان اليوسفي، وهو يكمل سنته 94، غارقا في فرحه، ليس فقط بعيد ميلاده (8 مارس 1924)، بل بذلك الميلاد المتجدّد لقيمة الوفاء في الفعل الوطني والمجتمعي للمغاربة، لأن ذلك الحضور كان أشبه برسالة وفاء وتكريم للرجل وسيرته، وما ظل يرمز إليه من قيم سلوكية في قصة السياسة المغربية.
كل الأطياف السياسية والاجتماعية المغربية، حزبيا وجمعويا وثقافيا وإعلاميا، من اليسار ومن الإسلاميين ومن الليبراليين، حضرت إلى المسرح، تكريما لليوسفي، واعترافا بما قدمه للمغرب.
وهنا يمكن أن نقرأ دلالة زيارات الملك محمد السادس لليوسفي في المستشفى، وإشراكه في مأدبة غداء أقامها على شرف الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، وإطلاق اسمه على شارع في مدينة طنجة، حيث ولد اليوسفي. بل ظل العاهل المغربي يسهر شخصيا على متابعة تطورات الوضع الصحي لليوسفي. ما يدل على المكانة الخاصة والرمزية التي يحفظها الملك لشخصية تجد فيها كل مغربية ومغربي مساحة وامتدادا ما.
تعليق: