ضريبة الشُهرة

23 يوليو 2015
الصورة
القصاص وخالد كانا من الوجوه البارزة لثورة يناير(مواقع التواصل)
+ الخط -
قبل أسابيع قليلة، أوقفت قوات الأمن المصرية الناشط السياسي، خالد السيد، في المطار بدون أسباب واضحة، وظل خالد محتجزا أكثر من 24 ساعة حتى أفرجت عنه السلطات المصرية، من دون توضيح سبب احتجازه الذي مثل منعا غير معلن من السفر.


السلوك ذاته قامت به السلطات المصرية ضد الناشط السياسي محمد القصاص، الذي احتجزته قوات الأمن قبل سفره إلى تونس مطلع العام الجاري.

كل من القصاص وخالد السيد كانا من ضمن الوجوه البارزة لائتلاف شباب الثورة الذي ظهر في ميدان التحرير أثناء اعتصام الـ18 يوما، عام 2011، الذي أطاح بالديكتاتور المصري الأسبق حسني مبارك. وكلاهما أصبح الآن من ضحايا الحملة الانتقامية التي يشنها النظام المصري ضد وجوه ثورة يناير وآثارها، ولكن بالطبع بقدر.

لم تتهم السلطات المصرية محمد القصاص -القيادي في حزب مصر القوية حاليا والعضو المؤسس في حزب التيار المصري سابقا- ولا خالد السيد القيادي اليساري، بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ولم تستطع كذلك أن تلفق لهما تهمة التظاهر مثلما فعلت مع أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل، فهما أشهر من أن تدّعي السلطات المصرية أنها لا تعرف انتماءهما السياسي، ولكنهما كذلك أشهر من أن تتركهما السلطات بدون محاولة تنغيص حياتهما والاعتداء على حريتهما.

مثلهما مثل ماهر وأسماء محفوظ وغيرهما من وجوه ثورة يناير، يدفع القصاص وخالد السيد الآن ما نستطيع أن نسميه "ضريبة الشهرة".

تنكيل

وسط حملات قبض ممنهجة- لكنها شملت أيضا اعتقالات عشوائية- استهدفت المعارضين للنظام المصري الحالي منذ منتصف 2013 وحتى الآن، بدأت السلطات المصرية البحث في طرق مبتكرة لعقاب المعارضين والتنكيل بهم خارج نطاق القانون، خاصة هؤلاء ممن لم تستطع وضع أسمائهم ضمن قضايا الإخوان المسلمين.

ويعد مثال منع القصاص وخالد السيد نموذجا لسلوك الدولة عندما تسعى إلى التنكيل بالمعارضين من دون الاهتمام بالشكليات القانونية. فكل من القصاص وخالد لم يصدر أي قرار قضائي بمنعهما من السفر، ولم يكونا مطلوبين على ذمة أي قضية، وتمثل المنهج المتبع معهما في احتجازهما بحجة أنهما مطلوبان للتحقيق من قبل الأمن الوطني (الاسم الجديد لمباحث أمن الدولة)، وكانت هذه هي الطريقة غير القانونية لتفويت الفرصة عليهما لركوب الطائرة.

وبطرق مختلفة، فعلت الدولة ذلك مع العشرات من الرموز الشهيرة لميدان التحرير، فقد تم تلفيق قضية تظاهر لأحمد ماهر حين طلبته السلطات للتحقيق في قضية مظاهرة مجلس الشورى، وهي المظاهرة التي لم يشارك فيها ماهر، وحين أثبت للنيابة عدم مشاركته لفّقت له قضية دعوة المتضامنين معه للتظاهر أمام مقر التحقيق معه، وصدر بحقه حكم مشدد.

وفي مطلع العام الجاري -نفس توقيت منع القصاص من السفر تقريبا- قامت السلطات المصرية بمنع الناشطة إسراء عبدالفتاح من السفر، بحجة أنها مطلوبة للقضية المعروفة بقضية التمويل الأجنبي، وهي قضية أثارتها السلطات المصرية مطلع 2012 أثناء سيطرة المجلس العسكري على مقاليد الحكم، بهدف إثارة الرأي العام ضد المجتمع المدني، وخلق جو من التشكك بشأن مؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان في مصر، واتهمت السلطات في القضية عشرات النشطاء المصريين والأجانب، إلا أنها اضطرت إلى إغلاق ملف القضية فعليا بعد ضغوط أميركية، وسمحت للمتهمين الأجانب بمغادرة البلاد، ولكنها تركت القضية معلقة لتستخدمها ضد من ترغب في إرهابه.. وقد كان.

وحتى خارج أوساط النشطاء الذين يتركز إنجازهم في العمل السياسي، يتعرض منتقدون معروفون للنظام لحملات التنكيل، فالكاتب بلال فضل تحدث للإعلام عن منع مسلسل باسم "أهل إسكندرية" من العرض في مصر، بعد أن قامت شركة تابعة للحكومة المصرية بإنتاجه. بلال الذي قام بكتابة المسلسل معروف بانتقاده للنظام المصري، وكذلك بطلا المسلسل الفنانان المصريان عمرو واكد، وبسمة.

واعتبر فضل في تصريحات له أن منع مسلسل "أهل إسكندرية" خطوة انتقامية من بعض أعضاء فريق عمل المسلسل، المعارضين لنظام الحكم الحالي في مصر، وعلى رأسهم هو وعمرو واكد.

لماذا؟

تستهدف السلطات المصرية بالطبع كل من تستطيع أن تضع يدها عليه من شباب الثورة، كل من ساهم ولو بأقل القليل في توجيه ضربة يناير 2011 للنظام القديم، ولكنها لا تستطيع القبض على الملايين، ولا تستطيع تحديد أسماء كل هؤلاء الذين شاركوا في مليونيات إسقاط النظام، فتلجأ بالتالي إلى طريقتين:

الأولى تتمثل في التنكيل العشوائي بالمصريين؛ التنكيل بكل من يقع تحت يديها وليس له "واسطة" تحميه.

والثانية هي التنكيل برموز الثورة -من الشباب خاصة- لإعطاء رسالة لكل من شارك بأنه مستهدف، وبأن الشهرة لن تحمي أي ناشط من أن يصبح هدفا للقمع أو التنكيل.
تبقى الإشارة إلى أن هذا القمع والتنكيل -خارج نطاق القانون على الأغلب- يتسعان يوما بعد آخر، وتفقد السلطات المصرية اهتمامها بالشكليات أكثر فأكثر، وتثار شكوك متزايدة بشأن تحول مقرات شرطية وعسكرية عديدة إلى مقرات احتجاز غير قانونية، وهو ما يهدد أبسط احترام لنظم الدولة من قبل القائمين على إدارتها، وينقل هذا الشعور رويدا رويدا إلى المواطنين.

(مصر)

دلالات