صناعة الأحذية في الخليل...قصة انهيار بدأ في عام 2000

صناعة الأحذية في الخليل...قصة انهيار بدأ في عام 2000

04 ابريل 2017
الصورة
الأحذية الصينية تدمر نظيرتها المصنوعة محليّاً في الخليل(فرانس برس)
+ الخط -

أغلق الخمسيني الفلسطيني، أيمن زغيّر، مصنع الأحذية الذي تمتلكه عائلته في مدينة الخليل، بعد خسائر متوالية خلال العامين الأخيرين، ما دفعه إلى العمل مثل غيره من أصحاب الورش إلى وضع العلامات التجارية المقلدة على أحذية مستوردة رديئة الجودة، إذ يعاني مالكو المصانع من تراجع في حجم مبيعاتهم المصنوعة محليا منذ عام 2000، الأمر الذي تسبب في تقليص حجم الاستثمارات في قطاع الأحذية والجلود من 220 مليون دولار في عام 2000 حتى وصلت إلى 70 مليون دولار بحلول عام 2015، وفقا لما جاء في التقرير السنوي الصادر عن مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد" (مؤسسة غير ربحية تعمل على تطوير الصادرات).

ويتهم زغيّر وزارة الاقتصاد الفلسطينية بأنها غير معنيّة بالعمل على تطوير الصناعة المحليّة، قائلا "لم تقدم السلطة شيئًا من أجل صمود المصنّع الفلسطيني، الاستيراد يتم دون قيود، والأسواق مفتوحة على مصراعيها أمام بضائع الصين حتى أصبحنا لا نفعل شيئًا سوى ختم الأحذية المقلدة بعلامات NIKE وAdidas".

بسبب انهيار صناعة الأحذية في الخليل، انخفض الإنتاج من 10 ملايين زوج من الأحذية عام 2000، إلى 3 ملايين زوج من الأحذية في 2016، وفق تقرير أعده اتحاد الصناعات الجلدية الفلسطيني، الذي رصد تراجعا في عدد ورشات ومصانع الأحذية من 1000 ورشة ومصنع أحذية خلال الفترة من 1975 وحتى عام 2000، إلى 200 ورشة في عام 2009، وبالطبع تراجع عدد العاملين في الصناعة من ما بين 35 ألفاً إلى 40 ألف عامل، معظمهم مصنفون "فنيّون مَهَرة"، إلى 5000 عامل في أحسن الأحوال، وفق ما أكده، رئيس التجمع العنقودي لصناعة الأحذية والجلود في الخليل، طارق أبو الفيلات، قائلا لـ"العربي الجديد":"الأرقام لم تتغير كثيرًا منذ صدور هذا التقرير وحتى الوقت الراهن".

وتبدو آثار تراجع عدد العاملين في مهنة صناعة الأحذية، على مصنع أيمن زغيّر الذي لم يعد يعمل لديه سوى 5 عمال من بين 20 عاملًا، وهو ما أدى إلى معاناة شريحة واسعة من العمالة الخليلية، من بينهم مراد أبو سنينة، الذي يعمل في ورشات صناعة الأحذية، منذ عام 1985 بدخل ثاتب لم يقل عن 150 شيقلاً يوميًا (41 دولاراً)، غير أن الأوضاع تغيرت بعد إغراق الأسواق بالبضاعة الرديئة مع اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000، إذ تم امتلات السوق الفلسطينية بالبضائع المستوردة، ليتبدل حال أبو سنينة بعد تراجع كبير في دخله إذ لم يعد يعمل سوى 3 أشهر في العام، في مصانع تقوم بوضع علامات تجارية على أحذية مستوردة، بحسب ما رواه لـ"العربي الجديد".


الوكيل الإسرائيلي وبيع الأحذية الـ"كاوتشوك"

تحوّلت المصانع ومشاغل الأحذية الخليلية إلى عمل من ثلاثة، إذ لجأ بعضها إلى تصنيع الأحذية بالمواصفات العالمية بحيث لا يفرّق المستهلك بينها وبين الأصليّة، بينما تشتري الفئة الثانية الأحذية الجاهزة والعلامات الخاصة بها من الصين، ويقتصر دور الورش والمصانع على وضع العلامات على الأحذية المعروفة بين التجار والمصنعين بـ "كاوتشوك"، وأخيرا استيراد الأحذية المقلدة مختومة بعلاماتها التجارية من الصين للاتجار بها، وهو ما فعله مالك معارض بيع الأحذية فايز القواسمة.

وتستفيد السلطة ماليًا من المستورد أكثر من المُصنّع، إذ إن الضرائب التي تجنيها من المستورد لا تقارن بما تجنيه من المُصنّع، وفق ما أكده زغير مالك المصنع السابق، والمستورد الحالي فايز القواسمة، ويشرح القواسمة الأمر قائلا :"تتقاضى السلطة من مستورد 100 ألف شيقل سنويًا (27532 دولاراً)، على أقل تقدير، بينما لا يزيد ما تتلقاه من صاحب مصنع عن 4000 شيقل (1101 دولار) من صاحب مصنع أو مشغل أحذية".

ويحتكر وكيل إسرائيلي استيراد الأحذية وتوزيعها في الخليل، والحديث للقواسمة، لافتا إلى أن بعض التجار الإسرائيليين يشترون بضاعة الخليل من الأحذية المقلدة ويبيعونها في السوق الإسرائيلية بأسعار الأحذية الأصلية هناك.


هل يُخدع المستهلك بالسعر؟

قبل عشر سنوات ومع انطلاق تجارة الأحذية المستوردة في الخليل، كانت أرباح فايز القواسمة كبيرة، إذ كان يشتري زوج الأحذية بـ 50 أو 55 شيقلًا (15 دولارا)، ثم يبيعها بسعر الجملة بما لا يقل عن 130 شيقلًا (35 دولارا)، ويبيع التاجر الحذاء بدوره إلى المستهلك بما لا يقل عن 230 شيقلًا (63 دولارا) أي بنسبة ربح تزيد عن 100% في كل مرحلة من البيع، لكنّ المستهلكين اكتشفوا حقيقة الأمر، وهبطت أسعار هذه الأحذية التي لم يعد سعرها يزيد عن 100 شيقل (27 دولاراً)، بحسب القواسمة، الذي بدت على ملامحه ثقة كبيرة وهو يقول "أنا لا أخدع المشتري؛ لكن الناس غالبًا يحبون المظاهر ويشترون البضاعة الأعلى سعرًا علمًا بأنها من المنشأ نفسه، وجميعها مقلّدة!"، لكن القواسمة عاد وأقر في إفادته، بأن الاستيراد مضر بالصناعة المحليّة في الخليل، والتي كانت الأفضل والأكثر جودة حسب تأكيده.


الدور المفقود

على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، يعرف التجمع العنقودي لصناعات الجلود في الخليل نفسه بأنه (تجمع للشركات والمؤسسات التي تعمل في قطاع الأحذية والجلود في مدينة الخليل وكل من له علاقة بهذا القطاع)، ويهدف التجمع إلى حماية المُصنع والدفاع عن مصالحه، لكن أين هذا الدور؟ كما تساءل أيمن زغيّر.

غير أن طارق أبو الفيلات، رئيس التجمع العنقودي لصناعات الجلود في الخليل، رد على زغير مجيبا بأنه طالب الحكومة عشرات المرات بترشيد أو وقف الاستيراد العشوائي، الذي يقضي على صناعة الأحذية والجلود في الخليل، وتشديد الإجراءات الجمركية، كما طالب مرارًا بوجوب إخضاع الأحذية المستوردة لاختبارات فحص الجودة، ومدى مطابقتها للمواصفات، الأمر الذي سيقلّص الكميات المستوردة.

وكشف أبو الفيلات، لـ"العربي الجديد"، عن أن معملًا لفحص الجودة سيرى النور خلال الشهرين المقبلين، أي بحلول يونيو/حزيران من العام الجاري، لافتا إلى عقد جلسة بين ممثلي التجمع باعتباره ممثلَ مُصنعي الأحذية مع رئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمد الله، ووزيرة الاقتصاد، عبير عودة، في شهر أبريل/نيسان الجاري من أجل رفع مطالب التجمع سالفة الذكر.



الحكومة: اتفاقيات تمنع الحد من الاستيراد

يبرر مدير عام وزارة الاقتصاد الوطني في محافظة الخليل، ماهر القيسي، إغراق الأسواق الفلسطينية بالأحذية الرديئة بأن "الحكومة ملتزمة باتفاقيات اقتصادية، ولا تستطيع الحد من الاستيراد عبر الموانئ الإسرائيلية".

يتابع موضحا :"فعلت الحكومة ما بوسعها في هذا الجانب من خلال رفع نسبة الضرائب على البضائع المستوردة"، وفي قطاع الأحذية تحديدًا، بحسب ما أفاد القيسي "العربي الجديد"، موضحا أن الحكومة رفعت الضرائب بنسبة 14% عما كانت عليه في السابق، وحاولت "إعادة الحياة" إلى قطاع صناعة الأحذية من خلال اتفاقيات مع الدول المانحة لتطوير تلك القطاعات، "وعلى سبيل المثال حصل التجمع العنقودي لصناعات الجلود في الخليل على دعم مالي من الحكومة الفرنسية، إضافة إلى توفير مختبرات فحص الجودة للأحذية التي تدخل البلاد".

ويتذرع مدير عام وزارة الاقتصاد الوطني في محافظة الخليل، بأن البنود العامة للاتفاقية الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمعروفة باسم "بروتوكول باريس الاقتصادي" في العام 1994 تنص على أنه:"لن تخضع السلع المستوردة لقيود على الكميات ولكن ستخضع للمقاييس الإسرائيلية"، لكن في المقابل، وبحسب ما وثقته معدة التحقيق عبر نصوص اتفاقية الجات (الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة)، يمكن للدول حماية صناعاتها عبر أساليب جمركية منها:"أساليب الوقاية، وتعني عندما تواجه دولة خطرًا على صناعاتها يسمح لها برفع فئات ضريبتها الجمركية على السلع الواردة التي تهدد صناعتها"، إضافة إلى فرض ما يسمى "رسوم مكافحة الإغراق"، وذلك عن طريق فرض رسوم مكافئة لمنع الآثار الضارة الناشئة عن سياسة الإغراق أو الدعم وهي تعني البيع بأقل من الأسعار العادية أو أقل من سعر التكلفة.

في هذا السياق يضيف خبراء، إلى الأساليب السابقة، إمكانية استخدام الرقابة على المواصفات، إذ تعمد بعض الدول إلى تحديد مواصفات قياسية للسلع المستوردة، وبالشكل الذي يؤدي إلى عدم استيراد سلع رديئة الصنع تضر بالإنتاج المحلي أو بصحة المواطن، ويشير مراقبون إلى رداءة الأحذية المستوردة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صحة المواطنين، لكن كل ما سبق يحتاج إلى إرادة فلسطينية سياسية واقتصادية. هكذا يرى الأمر صاحب المصنع السابق أيمن زغير.

دلالات