صمت "صوت الذين لا صوت لهم"

صمت "صوت الذين لا صوت لهم"

12 ديسمبر 2016
الصورة

سوري يقرأ "السفير" في دمشق (16/5/2005/فرانس برس)

+ الخط -
ذهبتُ، صباح يوم وصولي إلى بيروت، لشرب القهوة في "وسط البلد" (الحريريِّ، المستحدَث على أنقاض وسط البلد القديم). طلبت قهوةً لبنانية، بحسب تسمية النادلة الشابة لها، وهي التي تُسمَّى تركيةً في أنحاء العالم، وقبرصيةً في قبرص، لكي لا يلفظ أهل الجزيرة المقسَّمة، بين يونانيين وأتراك، اسم "العدو"، لكن هذا ليس دافع النادلة اللبنانية الشابة، بل تفريقها عن أنواع القهوات الغربية الأخرى. كان حامل الصحف الخشبي بالقرب مني. استغربت تقلّص عدد الصحف المعروضة. كنت أعرف أن عدد الصحف اليومية اللبنانية يفوق ما يصدر في عواصم كبرى، مثل القاهرة ودمشق وبغداد والرباط. وللمرة الثانية، خلال عام، قرأت نعي صحيفة السفير اللبنانية نفسها وهي على قيد الحياة.
هزَّنا، نحن الذين عشنا في لبنان (أو جواره)، النعي الأول لهذه الصحيفة العريقة، ذات التاريخ المهني والثقافي والسياسي المتفرّد، قبل أقل من عام. لم يبق قلمٌ عرف الصحيفة، وكتب فيها، وهي كثيرة جداً، إلا سال "مدادُه" في امتداح "السفير" التي كانت، فترةً طويلة من تاريخها، صوت الذين لا صوت لهم، كما يقول شعارها الشهير. بيد أن "السفير" لم تمت في نعيها الأول. كانت تحتضر، فناولتها يدٌ ما جرعة حياة. خرجت من غرفة العناية الفائقة، حاملةً آثارها على هيكلها العام. وبدا لمن يراقب وضع الصحافة العربية أن هذه العودة مؤقتة. فقد تغيّرت أشياء كثيرة في صلب السياسات العربية، مذ كانت "السفير" صوت الذين لا صوت لهم. واشتدّت وتيرة هذا التغير في السنين الخمس الأخيرة. هناك قوى صعدت، وقوى هبطت، وقوى خارت قواها. هناك مراكز تهمَّشت، وهوامش تمركزت، وما كان يبدو غير قابلٍ للاستغناء عنه، صار يمكن الاستغناء عنه، بسهولة. وهذا، للأسف، ما تبدو عليه بيروت. الرثاثة التي تطبع المدينة لا تقتصر على البنى التحتية، بل طاولت كل شيء تقريباً. من المنصب السياسي الأرفع (رئيس الجمهورية) إلى شوارع المدينة المعبَّدة بالحفر والفجوات. هناك شيءٌ ثقيلٌ يطبع حركة اللبنانيين الذين كانوا يتّصفون بالخفة والقدرة على التعايش مع أي ظرف. هناك تقادمٌ وترهلٌ وتآكلٌ في معظم ما تراه عيناك.
اقرأْ ما تبقى من الصحف اللبنانية على قيد الحياة. انظرْ إلى هزالة أوراقها وضآلة اهتمامها بالعالم. فإن كنت غير مهتمٍ بالأزمات اللبنانية، غير القابلة للفهم ولا للتعاطف، مثل حصص الطوائف في تشكيلة الحكومة التي صارت أزمةً شبيهةً بأزمة اختيار رئيس، فلن تجد فيها الكثير مما يجذبك. بل لا تجد فيها الكثير مما يجري في العالم المحيط بلبنان نفسه، وإن وجدته ستكون تغطيته والرأي فيه متباعدين، بين صحيفةٍ وأخرى، تباعد الأرض والسماء.
يرى التنظير الماركسي أن البنى الفوقية انعكاسٌ للبنى التحتية، وترجمةٌ لها. لست متأكداً من ذلك. خصوصاً في ما صارته بيروت، لؤلؤة العرب المستحيلة، من رثاثةٍ وتهالك. يخطر لي العكس. إن حمّى الطوائف، وانقساماتها على نفسها، وتحوّل أمراء الحرب أمراء لـ "السلم الأهلي"، والتنازع الإقليمي على الإمساك بخناق بيروت، مسؤولٌ عما حلَّ بعاصمة الكتاب العربي، وملجأ المثقفين العرب، ومختبر التحديث الأدبي والفني، من تراجعٍ مضطردٍ يصل إلى حد التهميش. هذه ليست المدينة التي كانت تحرّك فيها مجلة واحدة، أو اثنتان، مراجل التغيير الأدبي في أرجاء العالم العربي، وليست المدينة التي كنت ترى على مقاهيها رواد الحداثة الشعرية العربية، وأسماء بارزة في التفكير السياسي العربي. حتى إنها لم تعد مطبعة العالم العربي، بحسب وصفٍ غير منصف لها. هذه المدينة التي أسهمت في بلورة العربية لغةً حديثة للعالم العربي، وضخ فيها أدباؤها ومعجميوها دماء حياة، تحتضر فيها اللغة العربية مع احتضار كل صحيفةٍ وانكفاء كل كاتب عن الكتابة. (سأعود إلى هذه النقطة في وقت لاحق، ربما في "ضفة ثالثة").
سيكون صعباً أن يزور المرء بيروت، ولا يجد على حوامل الصحف في مقاهيها صحيفة السفير، وربما "النهار" التي باتت تخشى إدارتها التحريرية الوصول إلى نهايةٍ مشابهة، ما لم تحدث معجزةٌ ما. أتحدّث عن "السفير" التاريخ، "السفير" التي في البال، وليس "السفير" التي تشبه الواقع اللبناني اليوم بكل ما عليه من انقسامٍ وانكفاءٍ وصياحٍ عال في بئرٍ لا تمرّ بها القوافل.