صراع الصهيونية على إرث شتيفان تسفايغ

صراع الصهيونية على إرث شتيفان تسفايغ

16 نوفمبر 2016
الصورة

شتيفان تسفايغ (1881- 1942)

+ الخط -
أعلنت "المكتبة القومية الإسرائيلية" أنها ستعرض، في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، مجموعة رسائل للكاتب النمساوي من أصل يهودي، شتيفان تسفايغ (1881- 1942)، كان قد كتبها بين الأعوام 1921 و1933 إلى أحد قرّائه من المدينة الألمانية كنيغسبرغ (اسمها الحالي كلينينغراد)، بعد أن بعث الأخير إليه "مذكّرةً"، يسأله فيها عن أيسر الطرق للتحوّل إلى "كاتب يُشار إليه بالبنان".
وليست هذه هي أول مرة تتباهى فيها المكتبة المذكورة بامتلاك وثائق خاصة بهذا الكاتب المرموق. ففي عام 2012، نشرت عديداً من هذه الوثائق على شبكة الإنترنت، بما في ذلك الرسالة التي تركها تسفايغ، قبل إقدامه على الانتحار مع زوجته الثانية، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية السبعين لرحيله.
يُعدّ تسفايغ من أبرز كتّاب أوروبا في بدايات القرن الفائت. كتب مسرحيات وروايات ومقالات عديدة. غادر وطنه النمسا عام 1934، بعد أن تولى هتلر وحزبه النازي زمام السلطة في ألمانيا. واستقر بدايةً في انكلترا، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة قبل أن يغادرها إلى البرازيل، حيث انتحر في 22 فبراير/ شباط 1942 مع زوجته. وصدر عمله الذي تناول فيه سيرته الذاتية "عالم الأمس" بعد انتحاره. ومن أشهر رواياته "24 ساعة في حياة امرأة" و"الشفقة الخطرة" و"أموك".
ظهرت، منذ انتحار تسفايغ، عدة كتب حاول مؤلفوها الغوص في سرّ هذا الانتحار، منها "المنفى المستحيل: شتيفان تسفايغ عند نهاية العالم" لجورج بروشنيك (2014). ووفقًا لهذا الكتاب، كما عرضت له هناء عليان في صحيفة الحياة، لم يختبر تسفايغ في حياته مُطلقاً لحظات الرعب القاتلة، ولم يضطر إلى اتخاذ قراراتٍ مصيريةٍ على وجه السرعة، بل طالما كان لديه الوقت الكافي لحزم حقائبه، واختيار وجهة الرحيل، وطالما شعر بالأمن المادّي كونه يتحدر من عائلةٍ فاحشة الثراء، لكنّ وصول هتلر إلى السلطة كانت له عواقبه الخطرة والمباشرة على حياة هذا الكاتب، لا سيما بعد فقدانه ناشره الألماني، "دار إنسل للنشر"، وشعوره بما سماه "اليُتم الوطني" أينما حلّ ضيفاً، لأنه فقد "موطنه الروحي إلى الأبد".
وقبل هذا الكتاب، صدرت في فرنسا عام 2011 رواية لوران سكسيك "الأيام الأخيرة في حياة شتيفان تسفايغ". توزعت على ستة أبواب، يتناول كل منها وقائع شهر واحد من الأشهر التي سبقت انتحار تسفايغ بين سبتمبر/ أيلول 1941 وفبراير/ شباط 1942. وقال الروائي، في أكثر من مقابلة معه، إنه حاول أن يفهم نفسية هذا الكاتب، وعلاقته مع زوجته الثانية التي كانت تصغره بثلاثين عاماً، والعزلة القاتلة التي عانى منها في المنفى، وصولاً إلى انتحارهما في منتجع بتروبوليس قرب ريو دي جانيرو.
درج تسفايغ على أن يصف نفسه أنه كان "يهودياً بالمصادفة"، وجاهر بمناهضته الصهيونية. غير أن صراع الصهيونية وكيانها على إرثه لا يزال يتعمّد تغييب هذه الحقيقة، بالتأكيد على أن هروبه من وطنه، ومن ثم انتحاره، في ما وراء المحيط، يجسّدان "المصير التراجيدي" الذي ينتظر كل يهودي في العالم، لا يهاجر إلى دولة الاحتلال ويستقرّ فيها.
لدى حديث سكسيك عن روايته المُشار إليها، قارن بين تسفايغ الذي ناهض الصهيونية وألبرت أينشتاين الذي أيّدهـا ودعم في جميع المحافل الدولية إقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين، ليخلص إلى استنتاج أن الفارق بين الشخصين يختصر المسافة بين المتشائم والمتفائل.
في رواية "أمُوك"، تعامل تسفايغ مع هذه الكلمة التي تطلق في بعض جزر الشرق الأقصى على حالة سُكْر خاصة، لا تظهر إلا في تلك البلاد. ويرجّح العلماء أنها ترجع، في الغالب، إلى جوّ تلك الجزر الثقيل الخانق الذي يضغط على أعصاب الناس بشدّة، إلى أن تنفجر فجأة، وكأنه تنبأ بجوّ دولة الصهيونية الذي يتسبّب بحالة جنون هائج، يفقد من يُصاب بها عقله تماماً.