شهر رمضان وأصفاد الشيطان

14 يناير 2016

مسلمون يفطرون خارج مسجد السلطان أحمد في اسطنبول(18يونيو/2015/Getty)

+ الخط -
واظبنا، أنا والسبع الطليق نوري، كل مغرب، على تلبية الدعوة العامة، وتناول الإفطار مع جماهير "العدالة والتنمية". أعرف كثيرين يصومون ولا يصلون، لكن نوري سبعٌ مختلف. تبريره هو: الصلاة لا تستغرق سوى دقيقتين، أما الصيام فنهاره طويل.
رمضان أكرم الشهور في المجتمعات التي يسميها علماء الاجتماع الغربيون بدائية، يعرّضون الغلام إلى تجربة قاسيةٍ من الجوع والغربة والشدة، مدة شهر أو أكثر ثم يمنح بعد اجتياز الاختبار، شهادةً واعترافاً ببلوغه مبلغ الرجال. الإسلام يمنح المسلمين هذه الفرصة، رجالاً ونساء وصبيان، في رمضان، من كل عام.
نوري يحب طبول السحور على النقيض من نازحين سوريين علمانيين في تركيا، يبدون برمهم منها، فهي تقلق نومهم الوثير. لم أسمع في حياتي عن مسيحيين جيران للكنيسة تضايقوا من قرع النواقيس، ومن أن صوتها عال جداً، ومدة القرع غير قصيرة. غريب أمر العلماني العربي؟ يحترم إلى حد التقديس والحرج طقوس أديان الآخرين الوثنية، لكنه يعتبر الإسلام ديناً لا يستحق الاحترام، فيعاديه ويسخر من الغيب ومشاعر المسلمين، حتى يثبت أنه حداثي وتقدمي. ندّد الأزهر بالمؤذنين مرتفعي الصوت، يعينون أنكر الأصوات في الآذان، حتى ينفّروا الناس. الحل هو الآذان بالنكز أو الإيماء.
نفطر سوياً مع آلاف المدعوين، ندخل بوابة الملعب، ونجلس على أقرب مائدة، ثم نزحنا، في الأيام التالية، إلى موائد بعيدة عن البوابة، إلى الصفوف البعيدة هرباً من مصافحات قيادات "العدالة والتنمية"، فما أن يأتي رئيس البلدية، أو نوابه، حتى يتجهوا إلينا مصافحين، ظناً منهم أننا من قواعد الحزب الشباب، فننهض ونصافح، وقد نتناطح بالرؤوس، وتلك عادة الترك في العناق والترحيب، خفنا أن يهتك سرُّنا ويعرف القادة أننا سوريان لاجئان جوّعنا الأسد، فتقع الفضيحة. لم نسلم في الصفوف الخلفية من المصافحات، كان القادة يتجهون إلينا، يبدو أننا جذّابون، والقيادة تذوب عشقاً في الرعية. لكن، بحمد الله، لم يحدث مكروه، فالمدعوون بالآلاف، وقد يقول القائد كلمة، أو يحثنا على النقد، فنهزّ رؤوسنا ونبتسم.
نقرأ الفاتحة إثر كل خطبةٍ قصيرةٍ للمذيع، بينها فواصل موسيقية، فالترك يفتتحون بفاتحة القرآن الكريم، بالسبع المثاني، المؤتمرات والأمسيات والسهرات العامة، ويختمون بها، في مقابل دقائق الصمت في شام شريف العلمانية! العلمانيون العرب يحبون الخرسان، ممنوع التكلم بجانب الرئيس السائق، وغالباً ما تتحول دقيقة الصمت إلى ثوان معدودة، نتصدق بها على أرواح الشهداء، وغالباً ما يكون الشهداء مجرمين ماتوا في حوادث سير، أو ماتوا وهم يعذبون أبناءنا في السجون.
فطرنا وغادرنا، وحمل نوري غنائم كثيرة من الرز واللحم كالعادة. في الطريق، نصحني بأن أصلّي التراويح في جامع أبو أيوب! الصلاة هناك أثوب، فهم يتلون جزءاً كاملاً من القرآن، وليس مثل صلوات جامع مولانا السريعة بقصار السور، خير يا نوري؟ قال غامزاً: خال، عندي ضيف.
قلت: تقصد ضيفة يا نوري؟ أعترف: نعم ضيفة وهي خجولة، يجب أن نتابع الكفاح مع سبايا أردوغان، بعد أن نهبنا رزّه ولحمه. خال؛ الصاري منتصب، والشراع سيتمزق من شدة رياح الشهوة. ما شاء الله، الحياء من الإيمان.
عارضت بغضب: أنذرك، سأخبر الحجي، احترم حرمة هذا الشهر الفضيل.
ضحك نوري، وقال: خال، حرام تعمل تفرقة عنصرية بين شهور الله، ثم إنك لن تجرؤ على الشكوى.
قلت: تتحدّاني، يا غلام، يا فصعون.
ـ خال، لا تستطيع. وأخرج جواله، وأظهر لي صوراً، وأنا أعانق صديقته سيبيل على البوسفور، فتغيّر وجهي. يا له من ماكر، صوّرني من جميع الزوايا معها، والزبائن يزفّوننا. قلت: هذه صورة عناق أخوي يا سبعي.
ضحك وقال غامزاً بعينه: أنا أعرف أنك تقيٌ وحصورٌ، لكن الحجي لا يفهم في الأخوة بين الذكور والإناث الأجنبيات.
حككت رأسي، واندحرت: في رمضان، تصفّد شياطين الجنِّ. أما شياطين الأنس والراح فتبقى مستمرة في "الإمتاع والمقاومة".

683A43FF-D735-4EBA-B187-3AC9E42FAE32
أحمد عمر

كائن يظنُّ أن أصله طير، من برج الميزان حسب التقديرات وطلاسم الكفّ ووحل الفنجان.. في بكرة الصبا أوعشية الشباب، انتبه إلى أنّ كفة الميزان مثقوبة، وأنّ فريق شطرنج الحكومة "أصحاب فيل"، وأنّ فريق الشعب أعزل، ولم يكن لديه سوى القلم الذي به أقسم" فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا..."