شبان غزة مهاجرون غير شرعيين

17 سبتمبر 2018
الصورة
اقترب موعد السفر (محمد الحجار)
+ الخط -
البطالة التي يعاني منها الشبّان في قطاع غزة تدفع كثيرين إلى التفكير الدائم في الهجرة غير الشرعية، وقد فقدوا الأمل في أي تغيير محتمل وسط الحصار

قبل فترة، عمدت أم سعيد درويش إلى بيع مجوهراتها التي تحتفظ بها منذ نحو عشر سنوات، في مقابل 2250 ديناراً أردنياً (نحو ثلاثة آلاف ومائة دولار)، لتمنحها لابنها سعيد الذي يرغب في التقدم بطلب للحصول على تأشيرة سياحية إلى تركيا، عن طريق أحد مكاتب السياحة في غزة، على أن يسعى لاحقاً للوصول إلى أوروبا، علّه يتخلّص من جحيم البطالة في غزة، بعد معاناة استمرت نحو سبع سنوات.

سعيد درويش (28 عاماً) تخرّج من كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة الأزهر في غزة عام 2011. وطوال هذه المدة، عمل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كعامل نظافة في عامي 2013 و2016. يقول إنه تقدّم لأكثر من 50 وظيفة، كما تطوع في إحدى الشركات المعروفة في غزة. واليوم، بات يفكر في الهجرة بأي طريقة، مستغلاً فتح معبر رفح البري المستمر منذ شهر مايو/أيار هذا العام.



اتفق درويش مع مهرّب يحمل الجنسية السورية، استطاع تهريب الكثير من الشبان الفلسطينيين والسوريين عبر الحدود اليونانية، وهي وسيلة أفضل من قوارب الموت في البحر المتوسط. يعي درويش مخاطر الهجرة غير الشرعية، ويعتبرها أفضل من المستقبل المجهول في غزة. يقول لـ "العربي الجديد": "في غزة، نعيش في مستنقع. نفتح التلفاز ونسمع كلاماً يحيّي صمودنا في ظل الحصار وغيره. لكن إذا نزلت إلى الشارع، سترى كل البؤس. أجدني أعود إلى المنزل وأطلب من أمي المال. وفي النهاية يسألونني لماذا تريد الهجرة؟".

نجح درويش في اجتياز معبر رفح، في 29 أغسطس/آب الماضي، ووصل إلى مطار إسطنبول الدولي.




أحمد خلف (27 عاماً) يريد بدوره الهجرة عبر الحدود اليونانية. على الرغم من دراسته الهندسة المعمارية وتخرّجه قبل أربع سنوات، ما زال عاطلاً من العمل. دفع مبلغ 1200 دولار لتعجيل سفره عبر معبر رفح، خوفاً من عودة أزمة إغلاق المعبر. وسيدفع ألفي يورو (نحو ألفين و300 دولار) للمهرّب في إسطنبول. يقول لـ "العربي الجديد": "غالبية شبان غزة يفكرون في الهجرة. ولو كانوا يملكون المال لسافروا منذ زمن. نحب فلسطين أكثر من السياسيين، لكن لا نريد أن نموت ببطء. حتى الآن، لم يحصل أي تقدم في قضية المصالحة، وليست لدينا أية فرصة. حتى لو قبلت بأي عمل، لن أستطيع تأمين مصروفي اليومي، ناهيك عن المذلة".

ويختار الكثيرون من شبان غزة الهجرة غير الشرعية على الرغم من خطورتها. ينظرون للتسهيلات التي تقدّمها تركيا على أنها فرصة يمكن استغلالها للسفر إلى أحد البلدان الأوروبية. وبالنسبة إليهم، فإن المجازفة عبر الهجرة غير شرعية ليست مستحيلة بعدما عانوا من جرّاء الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 12 عاماً، عدا عن الحروب والتهديدات الإسرائيلية المستمرة.
علاء (26 عاماً)، وهو خرّيج كلية التجارة في الجامعة الإسلامية، وشقيقه مصطفى (25 عاماً) خريج كلية تكنولوجيا المعلومات في الجامعة نفسها، ينتظران دورهما في كشوفات معبر رفح البري للسفر إلى مصر ومن ثم إلى تركيا. يرغبان في البحث عن فرصة عمل في تركيا. وفي حال لم يجداها، سيبحثان عن وسيلة للهجرة غير الشرعية. يقول علاء لـ "العربي الجديد": "شبّان غزة كبروا مع الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة. لا نعلم ماذا ينتظرنا. نحن مجرد أرقام في سجلّات البطالة، ولا قيمة لشهاداتنا الجامعية. هذه إجابتنا حين نسأل عن سبب رغبتنا في الهجرة".

في المقابل، يشير أحد المهربين المتواجدين في مدينة إسطنبول في تركيا إلى أن غالبية المقبلين على الهجرة سوريون وفلسطينيون، نظراً لقبولهم من قبل دول أوروبية كلاجئين نتيجة الأحداث التي تمر بها بلدانهم. ويوضح أن الغزيين أصبحوا منتشرين في مدينة إسطنبول. ويومياً، يسأل عن الطرق الآمنة للهجرة إلى أوروبا".



بدوره، يقول المهرب سمير المحمدي (35 عاماً) لـ "العربي الجديد"، وهو فلسطيني من غزة يعمل "دلّال هجرة" كما يطلق على نفسه، إذ يرفض مصطلح سمسار أو مهربّ: "الكثير من سكان غزة فقدوا أمل البقاء في القطاع، لأنه أصبح لا يصلح للحياة. في تركيا، الفرص أصعب أمام الغزيين". يضيف: "كلفة الهجرة تتراوح ما بين ألفين (2,339) وثلاثة آلاف يورو (3508). معظم الشبان يودون الوصول إلى بلجيكا لأنّها تعامل الفلسطيني والسوري بشكل جيّد. نحاول إيجاد وسائل آمنة لاجتياز الحدود اليونانية وصولاً إلى مدينة سالونيك أو العاصمة أثينا. وهناك، يمكن الوصول إلى أي بلد أوروبي".

وقع الغزي نضال (29 عاماً) في قبضة الشرطة اليونانية، في 13 أغسطس/آب الماضي، بعدما دفع للمهرّب مبلغ 1500 يورو (1,754 دولاراً)، على أن يعطيه المبلغ المتبقي بعد وصوله إلى العاصمة اليونانية. يلفت إلى أن المهرّبين يحاولون إيجاد وسائل لضمان المزيد من الشبان الراغبين في الهرب عبر الحدود للحصول على المال عند اجتياز الحدود، ثمّ ترك الشباب لمصيرهم بعدها.

يضيف نضال لـ "العربي الجديد": "المهرّبون يريدون النجاح لجذب شبان آخرين. للأسف، وقعت مرتين ضحية المهربين. في إحدى المرات، استطعت الهرب والعودة إلى تركيا. لكن في المرة الثانية، سُجنت وتعرضت لإهانات على مدى أسبوع وأعادتني الشرطة اليونانية. واليوم، أبحث عن عمل في تركيا".




عائلات كثيرة فقدت أبناءها نتيجة غرق مراكب كانت تقلّهم إلى أوروبا من مدينة الإسكندرية المصرية، خلال العدوان الأخير على القطاع، وفقد أثر 100 غزي تقريباً، في منتصف شهر سبتمبر/أيلول عام 2014، بعد غرق قارب يضم فلسطينيين وسوريين ومصريين قبالة السواحل الإيطالية، وكان بين ضحايا عائلة كاملة مكونة من 27 شخصاً (عائلة بكر) التي تسكن غرب مدينة غزة.