سوريون خائفون... شهادات عن التضييق على اللاجئين في تركيا

24 يوليو 2019
الصورة
مداهمات الشرطة التركية مستمرة (كريس ماكغراث/ Getty)
+ الخط -

مضى أكثر من أسبوع على الحملة الأمنية التي تنفذها السلطات التركية، ضدّ السوريين "المخالفين"، والتي تشمل سلسلة إجراءات أعلنت عنها مؤخراً وبدأت في تنفيذها، ليس أقلها الترحيل خارج ولاية إسطنبول

في تركيا حملة حكومية مستمرة ضد اللاجئين السوريين، خصوصاً في ولاية إسطنبول. على رأس خطوات الحملة، ترحيل السوريين الذين لا يملكون بطاقة الحماية المؤقتة إلى سورية، بالإضافة إلى ترحيل من لا يملكون بطاقة الحماية المؤقتة في ولايةٍ ما ويعيشون في ولاية أخرى إلى الولاية التي حصلوا على البطاقة منها، فضلاً عن مكافحة العمالة غير النظامية، ومعاقبة العمال السوريين الذين لا يملكون إذن عمل، والترحيل الفوري لمرتكبي الجرائم ومزوّري الوثائق إلى سورية، بالإضافة إلى فرض شروط إضافية على تجديد الإقامات السياحية وجمع معلومات عن سبب استمرار تجديدها، وتقاضي رسوم مقابل الخدمات الطبية بعدما كانت مجانية.

وبينما قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قبل أيام أمام حشد من الصحافيين السوريين: "نحن نرحّل المخالفين للقانون فقط إلى سورية، أما حاملو بطاقة حماية مؤقتة من ولاية أخرى، فسنرحّلهم إلى تلك الولاية"، قال والي إسطنبول، إسماعيل قايا من جهته: "هناك عدد كبير جداً من الأجانب يعملون في ولايتنا بلا وثائق رسمية، ولذلك فإنّ موظفينا سوف يبدأون بتفقد أماكن العمل في الولاية للتأكد من قانونية العمال والموظفين"، لافتًا إلى أنّ إسطنبول أصبحت تحت عبء كبير جداً غير قابل للاحتمال. وشدد على أنّ السلطات ستعمل على حلّ مشاكل السوريين بأفضل طريقة ممكنة تؤمن لهم أفضل سبل العيش والراحة.




بعد هذه التصريحات، شهدت ولاية إسطنبول وولايات تركية أخرى، عمليات ترحيل بحق سوريين لا يملكون بطاقة الحماية المؤقتة (كيملك) إلى سورية مباشرةً، ما أثار غضب المنظمات الحقوقية، كون هذه الإعادة تخالف "مبدأ عدم الإعادة القسرية" في القانون الدولي العرفي. لكنّ مديرية هجرة إسطنبول نشرت بياناً باللغة العربية شرحت فيه شرعية عمليات الترحيل هذه. وجاء في البيان: "وفقًا للمادة 33 من لائحة الحماية المؤقتة، فإنّ السوريين في بلدنا ملزمون بالامتثال إلى القوانين التي تضعها المديرية العامة لإدارة الهجرة والمحافظات، وانتهاك هذه المستلزمات يتعارض مع متطلّبات النظام العام". أضافت أنّ "الإخلال بالنظام العام أحد أسباب إلغاء الحماية المؤقتة بموجب المادة الثامنة من قانون الحماية المؤقتة. وفي هذا السياق، إذا كنت تريد الذهاب من محافظة إلى أخرى غير التي سجلت فيها بطاقة الحماية المؤقتة، يجب التقدّم بطلب إلى إدارة الهجرة أو الوحدات المعنية للحصول على إذن سفر وإلّا ستتخذ الإجراءات الإدارية والقضائية بحق السوري المخالف بما في ذلك إلغاء الحماية المؤقتة". ما زاد الوضع سوءاً في ترحيل السوريين المخالفين كانت طريقة التعامل المهينة مع اللاجئين خلال تنفيذ هذه القرارات، من جانب أجهزة الأمن، إذ رصدت حالات جرى خلالها ترحيل أشخاص يمتلكون بطاقة الحماية المؤقتة، لكنّهم لم يكونوا يحملونها فجرى إجبارهم على توقيع ورقة تنازل عن الحماية المؤقتة.

النوم في المصنع
في هذا الإطار، ترصد "العربي الجديد"، مخاوف اللاجئين السوريين في تركيا، لا سيما أولئك الذين لم يتمكّنوا من استخراج الـ"كيملك" لأسبابٍ عدّة، بالإضافة إلى الذين يملكونها لكنّهم يعيشون في ولاية أخرى من دون الحصول على إذن سفر للتنقّل.

يعمل أحمد و. في مصنع للأحذية في محلة بيرم باشا في إسطنبول منذ أكثر من سنتين، ويحصل على راتب 2200 ليرة تركية (352 دولاراً أميركياً)، يرسل جزءاً منه إلى عائلته في إدلب، ليعيش ببقية المبلغ في شقة متواضعة تجمعه مع عمال آخرين. عندما وصل أحمد إلى إسطنبول كان استخراج "بطاقة الحماية المؤقتة" قد توقف في المدينة، لذلك لم يتمكن من الحصول عليها. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه كان يرغب في استخراج البطاقة، لكن لم يسمح له بالحصول على إجازة من عمله، فإجازته الوحيدة يوم الأحد وهو يوم إجازة للدوائر الرسمية في إسطنبول، فضلاً عن خوفه من إلقاء القبض عليه على الطرقات الدولية كونه لا يحمل البطاقة، بعدما سمع أنّ مدناً صغيرة مجاورة تفتح إدارة البطاقة المؤقتة فيها يوم الأحد بين الحين والآخر. لم يكن أمام أحمد غير الاستمرار من دون وثائق، ويشير إلى أنّه كان يملك أملاً في أن يفتح باب التسجيل على الـ"كيملك" في إسطنبول مجدداً لكنّ ذلك لم يحصل.

بعد الإجراءات التركية الأخيرة، بات لدى أحمد رهاب الخروج إلى الشوارع، خشية الاعتقال. يقول: "تصفحت في الأيام الماضية مواقع التواصل الاجتماعي باستمرار، وشاهدت صوراً ومقاطع فيديو لسوريين لا يحملون بطاقة الحماية المؤقتة، وقد ألقي القبض عليهم وجرى ترحيلهم إلى إدلب، وهو ما زاد خوفي". اضطر أحمد إلى المبيت في المصنع الذي يعمل فيه. يصف مبيته هناك بأنّه "سجن لكنّه بإرادتي" إذ لا يغادر المصنع إطلاقاً وينام هناك مع عاملين سوريين آخرين لديهما المشكلة نفسها. لكنّه يعتبر نفسه محظوظاً لأنّ المالك سمح له بالنوم هناك، موضحاً أنّ كثيرين من أصدقائه لا يملكون بطاقة الحماية ولم يسمح لهم بالمبيت في أماكن العمل، مضيفاً أنّه سيستغل إجازة عيد الأضحى لمحاولة السفر إلى ولاية يستطيع استخراج بطاقة الحماية المؤقتة فيها.



بين ولايتين
في تركيا أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ سوري، يتوزعون على أربع فئات هي: حملة إقامة العمل، وحملة الإقامة السياحية، وحملة بطاقة الحماية المؤقتة، بينما القسم الرابع هم من لا يحملون أيّ أوراق قانونية تركية، وهؤلاء يواجهون المشكلة الكبرى، لأنّ قانون الحماية المؤقتة يأمر صراحة بترحيلهم إلى سورية.

في جولة لـ"العربي الجديد" في شوارع مدينة إسطنبول، يتبيّن أنّ المناطق التي يكتظ فيها السوريون عادة، تغيّرت، وباتت الحركة فيها خفيفة، لا سيما مناطق أكسراي والفاتح وأسنيورت وأفجلار. أما خارج المدينة فليس الوضع أفضل، إذ إنّ من لا يحملون الـ"كيملك" معرّضون للترحيل، وإن كان التضييق في إسطنبول أشد مما هو عليه في ولاياتٍ أخرى.

مشكلة أبو علاء أكبر من مشكلة أحمد و.، إذ إنّ عائلته في تركيا، ويخاف أن تنفصل عنه. يعيش أبو علاء في ولاية إزمير منذ أكثر من أربع سنوات، ويحمل بطاقة الحماية المؤقتة فيها. قبل نحو عامين غامر الثلاثيني وجلب زوجته وطفليه من سورية إلى تركيا ليعيشوا معه كونه لم يعد يطيق العيش من دونهم بحسب ما يوضح لـ"العربي الجديد". نجحت خطته وعبرت عائلته بسلام في أواخر 2017، لكنّهم فشلوا، بعد وصولهم، في الحصول على بطاقة الحماية المؤقتة هناك. ما كان من أبو علاء إلا السفر بزوجته وطفليه من أزمير إلى بورصة لاستخراج بطاقة الحماية المؤقتة لهم، ثم عاد بهم إلى إزمير، حيث يعيش بسبب فرصة العمل الجيّدة له فيها. يقول إنّه يمتنع عن مغادرة أزمير بسبب عدم قدرته على تأمين عمل مريح براتب جيّد كما عمله الحالي.

عقب الحملة الأخيرة، حاول أبو علاء تصحيح وضعه على الأراضي التركية، وذلك عن طريق زيارة مديرية الهجرة وشعبة الأجانب من أجل تغيير "كيملك" زوجته وأولاده من بورصة إلى أزمير، لكنّه صُدم بأنّ القانون يسمح بتغيير الـ"كيملك" في حالة واحدة، وهي أن يكون عدد أفراد العائلة الذين صدرت بطاقتهم من أزمير أكثر من عدد من صدرت بطاقتهم من بورصة، لذلك عرضوا عليه في دائرة الهجرة تغيير بطاقته من أزمير إلى بورصة استناداً إلى قاعدة "أكثرية العائلة". يوضح أنّه رفض هذا العرض بسبب عدم رغبته في مغادرة عمله لكنّه يخشى الآن من القبض على العائلة وهي تحمل بطاقات من ولايتين وأن يجري تفريقهم.




من جهته، لا يهدر الشاب السوري وسيم أي وقت في الحديث مع السماسرة والمكاتب القانونية بحثاً عن أيّ طريقة لاستخراج بطاقة الحماية المؤقتة منها. يقول إنّه هرب من سورية قبل أشهر عبر الحدود خوفاً من ملاحقة "هيئة تحرير الشام" له بسبب منشورات لشقيقه المقيم في ألمانيا ضد الهيئة. ويضيف أنّه عندما وصل إلى تركيا لم تكن هناك طريقة لاستخراج الـ"كيملك" إذ كانت معظم الولايات قد أقفلت أبوابها، لافتاً إلى أنّه يحاول الآن بجميع الطرق استخراجها خوفاً من إعادته إلى سورية وما فيها من خطر على حياته.