سوابق تتحكم بالسياسة اللبنانية: "تجميد" نائب واستقالات وزارية استباقية

سوابق تتحكم بالسياسة اللبنانية: "تجميد" عضوية نائب واستقالات وزارية استباقية

25 فبراير 2019
الصورة
الموسوي اشتبك مع النائبين سامي الجميل ونديم الجميل(حسين بيضون)
+ الخط -
تشهد الساحة اللبنانية منذ انتهاء الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 6 مايو/أيار الماضي، الكثير من الممارسات التي تضرب فعلياً النظام البرلماني والديمقراطي، وليس آخرها اتخاذ حزب الله إجراءات عقابية بحق عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة له، النائب نواف الموسوي، إثر سجال دار في مجلس النواب، وخالف فيه النائب قرار الحزب عدم التصعيد أو الدخول في سجالات، تضمنت تجميد نشاطاته.

بدا قرار الحزب، الذي لم يصدر رسمياً وإنما سُرّب إلى صحف ومواقع إخبارية لبنانية، سابقة في تاريخ العمل النيابي اللبناني، اذ سرعان ما سُجّل غياب الموسوي عن اجتماع الكتلة الذي عقد قبل أيام، فيما تركت الخطوة الكثير من الجدل حول قانونيتها ودستوريتها، وخرقها فعلياً مبدأ العمل النيابي، والوكالة الممنوحة للنائب من الناس.

"في المبدأ قرار الحزب داخلي ولا يمكن الطعن والاعتراض عليه قانونياً"، حسب ما رأى أستاذ القانون العام في جامعة بيروت العربية علي مراد، في حديث لـ"العربي الجديد"، مضيفاً أن "الموسوي حزبي ويمكن للحزب اتخاذ تدبير داخلي بحقه، لكن في السياسة يؤشر القرار على خرق في فلسفة الديمقراطية التمثيلية، والوكالة الشعبية الممنوحة للنائب، خصوصاً أنه بحسب الدستور ومعظم الدساتير حول العالم النائب المنتخب يصبح ممثلاً للأمة جمعاء".

وعلى الرغم من عدم وضوح قرار الحزب بتجميد نشاطات الموسوي، وإن كان يسري حصراً على الظهور الإعلامي والخطابات وحضور اجتماعات الكتلة أو أيضاً على ممارسة عمله نائباً منتخباً، إلا أن مراد اعتبر أن "من حق الموسوي وواجبه ونشاطه النيابي حضور عمل اللجان والتصويت واستجواب الحكومة وغيره لا يحق لأحد منعه عنه، خصوصاً أن وكالته نالها من الناس وليس من الحزب".

عملياً بدت خطوة الحزب التأديبية للموسوي، في غير مكانها السياسي، أو التشريعي، وفق ما أكد أكثر من مصدر نيابي لـ"العربي الجديد"، بل أيضاً إهانة للعملية الديمقراطية، خصوصاً أنه درجت العادة في لبنان كما في كل دول العالم أن ينشق أي نائب عن كتلته متى اختلفا، لكن في لبنان بات مكرساً منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، سلطة الأحزاب والكتل على النواب والوزراء المحسوبين عليها، حتى لو اعتبر ذلك خرقاً للدستور، ولتمثيل النائب، ولموقع الوزير.

سبق قرار حزب الله بشأن الموسوي خطوة لا تقل خطورة بالمعنى السياسي هي عندما أجبر رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الوزراء المحسوبين على "التيار"، بالتزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة قبل أسابيع، على توقيع استقالاتهم وتركها في عهدته شخصياً، لتكون حاضرة كإجراء عقابي، متى اعتبر باسيل أن أحد الوزراء مقصراً، لكنها عملياً كانت خطوة تهدف بوضوح إلى إبقاء سيطرته السياسية على الوزراء، ومنع أي اعتراض، وإلغاء أي موقف، وحصر القرار السياسي بيده.



عن خطوة باسيل وزارياً التي تبدو مشابهة بالمعنى السياسي لخطوة "حزب الله" النيابية، قال مراد إنه "من الناحية القانونية لا شيء يمنع، لكن في المقابل الحكومة عادة تؤلف في أي دولة من ائتلاف يضم أحزاب وتيارات، لتصبح جسماً متضامناً ببرنامج سياسي واقتصادي وغيره ويترأس هذا الفريق رئيس الوزراء، وليس الأحزاب. بالتالي ما فعله باسيل هو طعن بمرجعية الحكومة ورئيس الحكومة، وهو أمر يؤكد أن الحكومة ليست فريق عمل بل مندوبون عما يمكن تسميته مجلس إدارة لبنان، وليست حكومة بالمعنى المتبع في أي نظام برلماني".

كثيرة هي السوابق التي باتت تتحكم بالسياسة اللبنانية ويومياتها، وتحديداً منذ الانتخابات النيابية الأخيرة التي أفرزت واقع سيطرة الحزب والحلفاء على الأكثرية النيابية، ولاحقاً سيطرة هذا الفريق على الحكومة، برزت بوضوح خلال تأليف الحكومة التي ضمت أغلبية المجلس النيابي، وتحولت الى مجلس نيابي مصغر، مع انتفاء مفهوم المعارضة والموالاة. ما تضعه مصادر نيابية في خانة "تغيير قواعد اللعبة في لبنان وإدخال مفاهيم جديدة"، خصوصاً في ظل النقاش المستمر منذ سنوات حول الأحجام، والذي عاد مع تأليف الحكومة وحديث "حزب الله" عن مظلومية سياسية، وعن حصة أكبر للثنائية الشيعية والحلفاء المحسوبين عليها، إضافة إلى الصراع الدائم حول صلاحيات رئاسة الجمهورية، التي يرى بعض المسيحيين أنها يجب أن تستعاد بعد أن قلصها اتفاق الطائف لمصلحة الحكومة مجتمعة.

لكن الأخطر وفق مراد ما أفرزته عملية تأليف الحكومة من مثالثة مبطنة، مشيراً إلى أن "حزب الله فرض نفسه شريكاً في عملية تأليف الحكومة عبر العرقلة، ليدخل شريكاً في عملية التأليف اضافة إلى رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني".

وسبق كل هذا كلام هو الأول من نوعه لأحد الصحافيين المحسوبين على فريق "8 آذار" في حوار سياسي، تحدث فيه بوضوح عن "تجاوز صيغتي عام 1943 والطائف في تشكيل الحكومة"، معتبراً ان "هناك مرحلة انتقالية نحو صيغة ثالثة عنوانها سقوط المناصفة وتشغيل العداد، ستعيد إنتاج صيغة الحكم فقط بما يتلاءم مع ميزان القوى الجديد في المنطقة".

وحزب الله هو الأقوى لبنانياً اليوم ليس بفعل السلاح كما في السابق، بل بفعل العملية السياسية التي أمّنت له أغلبية نيابية، وأغلبية وزارية. وعليه كان قد اتخذ قراراً حزبياً بالابتعاد عن السجالات الداخلية، وتوتير الأجواء، الأمر الذي كما يبدو وكما تقول مصادر سياسية مطلعة، خرقه الموسوي في سجاله مع نواب حزب الكتاب في مجلس النواب، تحديداً عندما اعتبر أن الرئيس السابق بشير الجميل وصل إلى سدة الرئاسة على متن دبابة إسرائيلية، فيما وصل الرئيس الحالي ميشال عون ببندقية المقاومة.

صحيح أن الموسوي لم يقل عملياً ما يعد خروجاً عن مواقف الحزب المعروفة، لجهة الموقف من "الكتائب" والجميل، لكن كلامه كاد أن يتحول إلى أزمة بين المكوّن المسيحي في البلد والمكوّن الشيعي، كما أحرج حديث الموسوي حزب الله عن وصول حليفه عون إلى الرئاسة بفعل بندقية المقاومة، رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر" الذي رأى في تصريحات الموسوي إهانة لعون، ما دفع حزب الله إلى التحرك فوراً لتطويق ذيول ما تركه تصعيد الموسوي، على عكس المرات السابقة التي كان الأخير يشكل رأس حربة هجوم حزب الله على النواب في البرلمان اللبناني.



المساهمون