سجون غزة... سر عودة الموقوفين طوعياً بعد الإفراج المؤقت

13 مارس 2019
الصورة
استهداف مؤسسات الشرطة في غزة خرق للمعاهدات الدولية(العربي الجديد)
+ الخط -

غادر الموقوف على ذمة قضية مخدرات إبراهيم موسى (اسم مستعار)، مركز احتجاز (نظارة) تابعاً للشرطة الفلسطينية جنوبي قطاع غزة، وعاد إلى منزله، في إجازة قصيرة، ضمن عدد كبير من الموقوفين اضطرت الأجهزة الأمنية لإخلاء سبيلهم بشكل مشروط، عقب سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مواقع متفرقة في القطاع المحاصر، في الثاني عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد أن طاولت الغارات مراكز أمنية.

وبحسب موسى، فقد تعهد أربعة أشخاص، من بينهم عسكريان، بإعادته إلى مركز التوقيف، بعد انتهاء جولة التصعيد، وتوقف عمليات القصف. وبالفعل عاد، بعد 48 ساعة، حين أعلن عن التوصل لهدنة جديدة بين فصائل المقاومة وكيان الاحتلال.


إخلاء قسري

تضطر الجهات الأمنية لإخلاء سبيل مشروط لعدد كبير من الموقوفين، ونقل آخرين لمراكز احتجاز بديلة، أو إلى مراكز تأهيل وإصلاح "سجون"، عند حدوث تصعيد إسرائيلي، يصدر بموجبه قرار بإخلاء أماكن الاحتجاز، تحسباً لتعرضها للقصف، كما حدث سابقاً في العديد من المرات وفق ما أوضحه العقيد رائد العامودي مفتش عام مراكز التوقيف "النظارات" في القطاع والناطق باسم الشرطة في قطاع غزة المقدم أيمن البطنيجي، والذي تحدث عن أسباب عملية الإخلاء الدوري وقت القصف إذ يستهدف الاحتلال المراكز الشرطية لإرباك عمل الأجهزة الأمنية، وتعريض حياة الموقوفين للخطر، ما يقتضي الحذر الشديد والتعامل وفق خطة طوارئ عند حدوث أي تصعيد أو غارات جوية.

ووفق البطنيجي يحدث الإخلاء القسري في وقت سريع، ووفق خطة معدة مسبقاً لمثل هذه الظروف، بحيث يتم إخلاء سبيل مشروط ومؤقت للموقوفين غير الخطرين، وتسريحهم إلى منازلهم، ونقل الباقين لأماكن احتجاز بديلة.



استهداف النظارات


حصلت "العربي الجديد" على نموذج إخلاء موقوف، يشترط كفالة أربعة أشخاص بينهم اثنان من رجال الشرطة، لضمان عودة الموقوف إلى مكان احتجازه عندما يطلب منه ذلك، وهو ما أكده كل من الضابطين البطنيجي والعامودي واللذين يعتبران أن الموقوفين أمانة لدى الشرطة، ومن هذا المنطق يتم التعامل معهم للحفاظ على أرواحهم، وتجنب تعريضهم لأية مخاطر، خاصة أن مراكز الشرطة تعتبر ضمن بنك أهداف الاحتلال في غزة:"تجربة عدوان 2008 بقصف النظارات والسجون بصورة مفاجئة أدت إلى مقتل 200 شرطي ومدني وموقوف دفعة واحدة ما جعل الشرطة تتعامل بحذر، فيما استشهد ثمانية عناصر من الشرطة في يونيو/حزيران من عام 2008 في قصف مسجد كانوا يتواجدون فيه بعد إخلاء مقرهم، بينما شهد عدوان 2014 قصف مراكز الشرطة الـ 21 في قطاع غزة إضافة لسجن قيد الإنشاء".


120 مسجوناً لا يتم إخلاؤهم

تحتجز الأجهزة الأمنية 1200 موقوف في 21 نظارة في قطاع غزة، بحسب الضابط العامودي والذي قال: "عند الطوارئ يتم إخلاء سبيل معظمهم، لكن هناك نحو 120 موقوفاً خطيرين لدى جهاز الشرطة (مرتكبي جرائم قتل، تجار مخدرات، ومرتكبي جرائم سطو كبيرة)، وإخلاء سبيلهم يشكل خطراً عليهم وعلى المجتمع، وهؤلاء يتم توزيعهم على السجون المركزية، أو على 5 مراكز احتجاز مؤقتة، توفر الشرطة فيها متطلبات الحياة لهم".

وتعد عملية الإخلاء إجبارية في حالة وجود تهديد لحياة الموقوفين وفق ما يقوله بكر التركماني المحامي والخبير القانوني بالهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) وهي الجهة المخولة وفق القانون بزيارة النظارات ومراكز التأهيل والإصلاح، وعلى جهة الاحتجاز توفير الأمن للموقوفين خلال عملية نقلهم أو احتجازهم في المقرات البديلة بحسب التركماني والذي قال إن "الهيئة تتابع ذلك مع وزارة الداخلية، وعادة ما يتم نقل الخطرين إلى مراكز الإصلاح أو مراكز توقيف بديلة، وجميعها تكون معلومة للاحتلال".

وتعاني مراكز التوقيف والتأهيل والإصلاح في غزة من اكتظاظ، ما يبقي على الموقوفين فترات أطول مما نص عليه القانون في النظارات قبل نقلهم إلى مقرات الاحتجاز (السجون) بحسب المحامي التركماني، لكن العامودي والبطنيجي يبرران الأمر بضيق مساحة مراكز التوقيف وقلة عددها، بعد استهداف الاحتلال لمعظم مراكز الشرطة التي تحوي هذه المراكز، وصعوبة إنشاء بديل بسبب الحصار.



ثلاث درجات للإخلاء

يخضع إخلاء النظارات والسجون، لثلاث درجات للإخلاء، تحدد بناءً على صعوبة وخطورة الوضع الأمني، ويتم اللجوء إلى الدرجة الأولى لدى حدوث تصعيد محدود، ويكون الإخلاء بتخفيف عدد الموقوفين في النظارات، عبر تسريح مؤقت ومشروط لجزء من أصحاب القضايا البسيطة، مثل موقوفي قضايا الذمم المالية، والمشاكل العائلية، وفق ما أفاد "العربي الجديد"، مصدر أمني مسؤول رفض ذكر اسمه كونه غير مخول بالحديث، قائلاً:"على سبيل المثال النظارة التي تضم 100 موقوف قد يتم إخلاء نصفها".

والدرجة الثانية للإخلاء تتم وقت التصعيد الأكبر (كما حدث أواسط نوفمبر الماضي)، إذ جرى إخلاء كلي للنظارات، من خلال تسريح الموقوفين الأقل خطورة، ونقل الخطرين لأماكن احتجاز آمنة، وغالباً إلى السجون الكبيرة، التي تعتبر أكثر أمناً، أو إلى مراكز احتجاز بديلة، كما سبق وأكد العامودي.


أما الدرجة الثالثة للإخلاء وهي الأكثر خطورة، فلا تحدث إلا عند اندلاع حرب كما حدث صيف عام 2014، إذ يجري إخلاء كامل للسجناء والموقوفين، عبر تسريح سبيل مشروط لغالبيتهم، ونقل الخطرين لأماكن احتجاز تعتبر آمنة، فيما يتم نقل بعض السجناء المصنفين ضمن فئة الخطرين جداً (العملاء وقضايا الثأر) إلى مراكز احتجاز سرية بحسب المصدر السابق.

ماذا يجري مع الموقوفين السياسيين؟

بعد التصعيد الإسرائيلي الأخير في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي سألت "العربي الجديد" الناطق باسم وزارة الداخلية في قطاع غزة إياد البزم، عما يجري مع الموقوفين السياسيين؟ إلا أنه نفى وجود أي موقوف لدى الأجهزة الأمنية والشرطة على خلفية سياسية في الوقت الحالي بعد التصعيد الإسرائيلي، قائلاً إن: "كل الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية إما على قضايا جنائية أو أمنية مرتبطة بالاحتلال والإضرار بالمقاومة، وقد اتخذت وزارة الداخلية الإجراءات اللازمة من أجل تأمينهم خلال جولات التصعيد وخطورة الأوضاع".

لكن الحقوقي محمد أبو هاشم، يعترض على ما قاله البزم، مؤكداً على وجود معتقلين سياسيين، وعددهم غير معروف، فقبل شهرين من التصعيد اعتُقل العشرات على خلفيات سياسية، وطريقة التعامل معهم في الإخلاءات تشبه إلى حد كبير التعامل مع باقي المعتقلين، ومعظمهم لا يغادرون، بل يتم تغيير مكان احتجازهم كما أضاف، قائلاً: "بعض المعتقلين السياسيين يتم تحويل قضيتهم لتصبح جنائية، بناءً على قانون العقوبات الثوري، وهو قانون يحتوي نصوصاً تجريمية فضفاضة تسمح بالتوسع في التجريم، لذلك لا تطلق عليهم سلطات الاحتجاز لفظ معتقل سياسي".



خرق القانون الدولي

"يعتبر استهداف مؤسسات الشرطة خرقاً فاضحاً للمعاهدات والمواثيق الدولية، إذ تصنف مراكز الشرطة باعتبارها مؤسسات مدنية، من المفترض بأن لا تتعرض للاستهداف المباشر أو المتعمد وفق القانون الدولي" كما يقول المقدم البطنيجي.

بالفعل فإن القانون الدولي يحرم التعرض لمراكز الشرطة والنظارات والسجون، باعتبارها مؤسسات مدنية "غير عسكرية"، بحسب استشاري حقوق الإنسان في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (مؤسسة غير حكومية) محمد أبو هاشم، الذي قال لـ"العربي الجديد": "الفقرة رقم 1 من المادة 52 من البرتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف الرابعة تنص على: "لا تكون الأعيان المدنية محلاً للهجوم أو لهجمات الردع، والأعيان المدنية هي كافة الأعيان التي ليست أهدافاً عسكرية وفقاً لما حددته الفقرة الثانية".

كما تنص الفقرة 2 من نفس المادة على أن: "تقصر الهجمات على الأهداف العسكرية فحسب، وتنحصر الأهداف العسكرية فيما يتعلق بالأعيان على تلك التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بطبيعتها أم بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة"، وبالتالي فإن سلطات الاحتلال ارتكبت مخالفات للاتفاقية المذكورة بملحقاتها، حين قصفت أو هددت مراكز شرطة بها موقوفون كما يقول أبو هاشم والذي يحمل الاحتلال مسؤولية الحفاظ على حياة المسجونين بعدم استهدافهم بطائراته وقصف مقرات احتجازهم، إذ تتواصل الشرطة مع مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر عند حدوث كل تصعيد، وتعلمه بأماكن وجود الموقوفين، وتعطيه إحداثيات النظارات أو مراكز الاحتجاز البديلة، وهذا إجراء هدفه سحب الذرائع من الاحتلال، كما يقول العقيد العامودي.

وتسارع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالاتصال بطرفي الصراع مع كل جولة تصعيد كما أوضحت سهير زقوت الناطقة الإعلامية باسم اللجنة في قطاع غزة، لـ"العربي الجديد"، موضحة أن اللجنة تعمل على تذكير الطرفين بالتزاماتهم وفق القوانين الدولية، وضرورة توفير حماية للمدنيين والأعيان المدنية، خاصة النظارات ومراكز التوقيف.

وأوضحت زقوت أن اللجنة وبناء على مذكرة تفاهم موقعة مع السلطة الفلسطينية منذ وجودها عام 1994 منحتها الحق في زيارة أماكن الاحتجاز، وهذا يتضمن زيارة السجون الخمسة ومؤسسة الربيع "للقاصرين" والنظارات الـ 21، والهدف من ذلك التأكد من المعاملة وظروف الاحتجاز، وتلقي الرعاية الطبية، ضمن مطالبة مستمرة بأن يتم تحييد مراكز الشرطة من القصف، باعتبارها مؤسسات مدنية.