سباق ولاء بين إعلاميي السيسي... و"الحرس القديم" خائف

20 مارس 2018
الصورة
مخاوف بالأوساط التقليدية ضمن الإعلام الموالي للسيسي(خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -
شهد الأسبوع الماضي تطورين مهمين في ساحة الإعلام المصري المساند لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ كان أولهما عودة النائب السابق توفيق عكاشة لتقديم برنامج على موقع "يوتيوب"، بعد وقفه لمدة عامين منذ صدامه مع مدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل وغلق محطته الفضائية "الفراعين". أمّا الحدث الثاني، فهو الإعلان عن الفيلم الدعائي الجديد الذي يظهر فيه السيسي بختام حملته الانتخابية بعنوان "شعب ورئيس 2018" والذي تقدمه وتخرجه المخرجة السينمائية ساندرا نشأت التي لم يسبق لها العمل كإعلامية في المجال السياسي.

الحدثان وإن بدت المسافة بينهما شاسعة، إلا أنهما يؤكدان - على ضوء مزيد من المعلومات المترددة في أروقة الإعلام الموالي للنظام - أن السيسي يرغب في إحداث بعض التغييرات على الدوائر الإعلامية المقربة منه، بإبعاد بعض الشخصيات الإعلامية البارزة التي ساهمت في ترسيخ نظامه وترويج أفكاره منذ تسويق عزل الرئيس محمد مرسي في النصف الأول من 2013، ثمّ حشد المواطنين لتفويض الجيش في 26 يوليو/تموز 2013، ثمّ دفعه مرشحاً للرئاسة في 2014، وكذلك تقليل الاعتماد على المجموعة التي اختارها عباس كامل لقيادة المشهد الإعلامي منذ عامين والمعروفة باسم "شباب الإعلاميين"، نظراً لعدم قدرتهم على التواصل مع الجماهير وضعف قبولهم شعبياً.

فعندما اصطدم عكاشة مع مدير مكتب السيسي بعدما أوعز إلى البرلمان بطرده وإسقاط عضويته ثمّ منعه من تقديم برنامجه مطلع 2016، لم يكن هذا بسبب زيارة السفير الإسرائيلي لمنزل عكاشة، تلك الزيارة التي اتخذها النظام ستاراً للتخلّص من واحد من أعمدة ترويج أفكار "الثورة المضادة" في عهد المجلس العسكري بعد خلع حسني مبارك، بل كان السبب الرئيسي هو أن عكاشة لم يكن راضياً بوضع نفسه تحت تصرّف دائرة السيسي بشكل كامل، وهو الذي كان يصف نفسه بـ"مفجّر ثورة 30 يونيو"، شأنه شأن وزير العدل السابق الذي تخلّص منه السيسي أيضاً القاضي أحمد الزند، الذي كان يردد هذا الوصف عن نفسه أيضاً.

ونظراً للشعبية الملحوظة التي كان عكاشة يحظى بها في أوساط البسطاء والفئات المتدنية تعليمياً، كان مدير مكتب السيسي يرى أنه من الأفضل إبعاده عن المشهد نهائياً، وتهيئة وسائل الإعلام لجيل جديد من الإعلاميين، أكثر ثقافة وأكبر قدرة على التواصل مع الشباب والفئات الأكثر تعليماً لتجميل صورة النظام، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فتم تكوين مجموعة "شباب الإعلاميين" التي تم الدفع بأفرادها كمقدمي برامج بالمساواة مع الإعلاميين القدامى الموروثين من نظام مبارك.

إلا أن افتقار هؤلاء الإعلاميين الشباب للحضور، ومحاولتهم استنساخ تجارب سابقة من دون تجديد، وتقديمهم خطاباً متشابهاً إلى حدّ التطابق في برامجهم المسموعة والمرئية، وشعور دائرة السيسي بأن الإعلاميين القدامى المقربين لمن أجهزة بعينها داخل الدولة، كأحمد موسى وعمرو أديب ولميس الحديدي وخيري رمضان، ما زالوا هم الأكثر تأثيراً، دفع أصحاب القرار لإعادة التفكير في مدى الاحتياج لظهور عكاشة من جديد، ولكن بشروط مختلفة وتحت رقابة أكثر إحكاماً من الماضي.

استخدم عكاشة في إطلالته الجديدة طريقته المعتادة القائمة على الاسترسال للوصول للبسطاء، كما عمد للتصوير في حقل زراعي وارتدى الجلباب البلدي، في صورة أعادت للأذهان حوارات الرئيس الراحل أنور السادات مع الإعلامية همت مصطفى في السنوات الأخيرة من حياته، إلا أنه لم يستطع الوصول للقطاعات المستهدفة بسبب اقتصار البث على "يوتيوب"، فلم يشاهد الحلقة إلا نحو 250 ألف شخص على مدار 4 أيام، فضلاً عن ظهور مستجدات في خطاب عكاشة تعبر على ما يبدو عن الشروط المملاة عليه، بالمديح المتكرر والسطحي للسيسي، وتكرار المقارنة بين الأوضاع في مصر والأوضاع في سورية والعراق وليبيا.


إلى ذلك، قال مصدر إعلامي في قناة مملوكة لشركة "إيغل كابيتال" التابعة للاستخبارات العامة، لـ"العربي الجديد" إن عودة عكاشة جاءت بتنسيق كامل مع دائرة السيسي بمناسبة الانتخابات الرئاسية، كتمهيد لعودته للفضائيات خلال العام الجاري. أمّا الشرط الأبرز، فهو مشاركته الفعّالة في الترويج للسيسي والحشد للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، نظراً لورود تقارير أمنية واستخباراتية تفيد بضعف الإقبال الشعبي منذ بداية العام على مشاهدة البرامج السياسية، نظراً لتشابه محتواها وافتقارها للمواد الجذابة للجماهير.

وأشار المصدر إلى أن عكاشة كان يرغب في العودة عبر قناته الموقوفة منذ عامين بقرار من مدينة الإنتاج الإعلامي بحجة عدم سداده مستحقات مالية، الأمر الذي تحوّل إلى منازعة ينظر فيها مجلس الدولة حالياً، إلا أن دائرة السيسي رفضت ذلك بناء على توصية من النائب أسامة هيكل، رئيس مجلس إدارة المدينة وعضو الأكثرية النيابية التابعة للنظام، بزعم أن عودة بث القناة حالياً سيؤدي لزيادة المطالبات بإسقاط المديونيات الضخمة المستحقة على العديد من رجال الأعمال الذين يسددونها على أقساط، مقابل استمرار بث قنواتهم، وعلى رأسهم رجل الأعمال أحمد بهجت صاحب قنوات "دريم".

أمّا اختيار السيسي للمخرجة ساندرا نشأت لإجراء حوار معه ستضمه إلى الفيلم الدعائي "شعب ورئيس 2018"، فأثار غضباً واسعاً في أوساط الإعلاميين المساندين للنظام، الذين لم يكادوا يستفيقون بعد من صدمة حبس زميلهم خيري رمضان واتهامه رسمياً بالإساءة للشرطة، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة بأجهزة الدولة، وعلى رأسها الرقابة الإدارية التي اختارته مقدماً للبرنامج الرئيسي في القناة الأولى الحكومية التي تتولى الرقابة الإدارية إدارتها منذ بداية العام.

ويعبّر هذا الاختيار عن اتساع هوة عدم الثقة وعدم التقدير بين السيسي والإعلاميين، قياساً بما حدث قبل توليه الرئاسة في 2014، إذ كان قد أجرى خلال حملته الانتخابية وقتها، حوارات مع جميع مقدمي البرامج في القنوات الداعمة للنظام، معظمها حوارات جماعية. لكن السيسي لم يشأ هذه المرة الظهور في أي برنامج، بما في ذلك على القنوات المملوكة حالياً للاستخبارات أو الجيش، كقناتي DMC أو ON.

وأوضح المصدر نفسه أن دائرة السيسي كانت تعدّ منذ شهرين لحوار جماعي واسع سيتناوب على تقديمه عدد من شباب الإعلاميين، لكن السيسي على ما يبدو اكتفى بمؤتمر "حكاية وطن" الذي شاركت الرئاسة والجيش والحكومة في تنظيمه منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، وفضّل بدلاً من ذلك إجراء حوار مسجّل بعيداً عن القاعات المغلقة، واختار نمطاً إخراجياً قريباً من الحوار الشهير الذي أجراه الإعلامي عماد أديب مع مبارك كجزء من دعايته لولاية رئاسية خامسة عام 2005.

ويظهر السيسي في الفيلم بملابس غير رسمية، وسط حدائق إحدى دور القوات المسلحة. وسيخصص الجزء الأكبر من الفيلم لردوده على أسئلة وملاحظات تم تسجيلها مع المواطنين في أماكن مختلفة، إذ سيتحدث عن "ضخامة التحديات التي تواجه مصر"، وأن تلك التحديات أكبر من أي رئيس للجمهورية، لكنها ليست أكبر من الشعب المصري، بالإضافة إلى استحالة إجماع الشعب المصري عليه.

وعبّر المصدر عن وجود مخاوف في الأوساط التقليدية ضمن الإعلام الموالي للسيسي، ليس فقط من تهميش الأسماء الكبرى ووضوح عدم ثقة السيسي في قدرتهم على توصيل رسائله، بل أيضاً من اتساع ظاهرة التخلّص من الإعلاميين الذين قدموا خدمات للنظام، بمجرد اختلافهم مع بعض السياسات أو عدم قدرتهم على الالتزام بالشروط التي تضعها دائرة السيسي.

وشهدت الفترة الرئاسية الأولى للسيسي إبعاد عدد من الإعلاميين من مواقعهم المتقدمة، كعمرو الليثي (بعد استضافته سائق توك توك انتقد الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشباب)، ومجدي الجلاد (الذي أسس صحيفة الوطن الموالية للسيسي، ثمّ استبعد من رئاسة تحريرها بعد انتقاده لسياساته)، والأخير ما زال محروماً بقرار سلطوي، من إصدار صحيفة ورقية جديدة للموقع الإلكتروني الذي يترأسه "مصراوي"، رغم أنه مملوك لرجل الأعمال واسع العلاقات نجيب ساويرس.

كما طاول التضييق شخصيات إعلامية كان من المتوقّع أن يكون لها شأن مهم في نظام السيسي، كالكاتبين عبد الله السناوي وإبراهيم عيسى اللذين كانا من المروجين الأساسيين لأفكار السيسي بين عامي 2013 و2015، إلى حدّ مشاركة الثاني في كتابة خطاباته. لكن انتقادهما لأسلوب إدارة العمل الإعلامي، ثمّ تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير وقراراته الاقتصادية، أدّى لاستبعادهم تماماً من دائرة المشورة.

المساهمون