ساركوزي.. مبالغة في الوعود ودبلوماسية "دفتر الشيكات"

ساركوزي.. مبالغة في الوعود ودبلوماسية "دفتر الشيكات"

13 ابريل 2017
الصورة

ساركوزي في قصر الإليزيه.. تبعية لأميركا وشعبية منخفضة (5/12/2011/Getty)

+ الخط -
بعد إعلان الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، رغبته في عدم الترشح لولاية رئاسية ثالثة، وتوجّهه إلى العمل في مؤسسته الخاصة التي تعنى بالثقافة وحوار الحضارات، بدأت فرنسا تتجهز لانتخابات رئاسية جديدة، ستشهد، للمرة الأولى، إمكانية التصويت الإلكتروني المباشر وتقديم التصويت في الأقاليم الفرنسية (ما وراء المحيطات)، وفي السفارات، بسبب فارق الوقت، كما كان لمواقع الإنترنت (يوتيوب ودايليموشن) دور كبير في الحملات الانتخابية للمرشحين، بشكل خاص نيكولا ساركوزي. فبدت الفرصة التي انتظرها ساركوزي طويلا كأنها في المتناول، على الرغم من تخوّف حزبه "الاتحاد من أجل حركة شعبية" من قدرة الحزب الاشتراكي على الفوز في هذه الدورة الانتخابية، بعد ورشة البناء الكبيرة التي طاولت أروقة "سولفيرينو"، إثر الهزيمة التاريخية لليونيل جوسبان سنة 2002. 

وأصبح نيكولا ساركوزي، الشاب الديغولي الذي لفت الأنظار مبكّرا في مؤتمر نيس سنة 1975، المخوّل لمّ شمل الديغوليين، ومناصري الرئيس جيسكار ديستان في تحالف انتخابي، أصبح الفتى المدلّل لثنائي جاك شيراك- ميشال باسكوا، بعد إشرافه على تقديم فعاليات المؤتمر، وتمريره جملة بقيت عالقة في أذهان المشاركين "أن تكون شابا ديغوليا يعني أن تكون ثوريا".

مسار وسيرة
تدرّج ساركوزي في مسؤوليات عديدة، حتى أصبح الوجه الشبابي الأبرز مع آلان جوبيه، في حزب التجمع من أجل الجمهورية الذي أسسه جاك شيراك. وفي سنة 1983، نجح في الانتخابات البلدية، وأصبح رئيسا لبلدية نويي سور سين (Neuilly-Sur-Seine)، ليخوض لاحقا الانتخابات التشريعية، وينجح فيها نائباً عن الدائرة السادسة في الهوت دو سين، ويحافظ على كرسيه البرلماني حتى عام 2005.
وشغل ساركوزي مناصب وزارية عديدة، قبل أن يعلن ترشحه لانتخابات 2007، فتولى حقيبة الموازنة في حكومة إدوارد بالادور سنة 1993، وأصبح المتحدث باسم الحكومة، ليعلن عن
دعمه بالادور في مواجهته الرئاسية مع شيراك سنة 1995، الأمر الذي كلّفه غيابا عن حكومات عهد شيراك الأول التي حضر فيها صديقه وغريمه لاحقا، آلان جوبيه، رئيساً للحكومة قبل أن ينجح "ائتلاف اليسار المتعدّد" في استلام الحكم، بعد اكتساحه الانتخابات التشريعية سنة 1997.
لا يمكن الحديث عن شخصية ساركوزي، وخلفيته الإيديولوجية، من دون المرور على الحقبة التي استلم فيها وزارة الداخلية في حكومة جان بيار رافاران، ولاحقا دومينيك دو فيلبان، الحقبة التي عرفت بـ"عرض العضلات" في التعاطي مع الملفات الاجتماعية، خصوصا أحداث الضواحي الباريسية التي اندلعت خريف العام 2005، إثر احتجاجات شعبية على مقتل شابين في محطة فرعية للكهرباء، بعد ملاحقتهما من الشرطة الفرنسية. تأزمت الأوضاع بعد زيارة ساركوزي أرغانتوي، ورشقه بالحجارة، وتصريحاته حول رغبته في تنظيف "شارع الـ 4000 شقة"، ونعته المحتجين "رعاع وحثالة"، تخوّف شباب الضواحي من وصول ساركوزي إلى الإليزيه سنة 2007، بسبب أسلوبه الأمني القاسي، ولهجته المتشدّدة في ملف الهجرة.
بعد توحيد المحازبين في "الاتحاد من أجل حركة شعبية"، وتسلمه رئاسة الحزب، أصبح ساركوزي الرجل الأقوى في معسكر اليمين الجمهوري، وبات ينتظر المرشحين الآخرين، ليطلق حملته الانتخابية. كانت الأمور تسير في اتجاه واحد في الحزب الاشتراكي، وكما كان متوقعا اكتسحت سيغولان رويال الانتخابات الداخلية في الحزب، وحصلت على ما يزيد عن 60% من أصوات الاشتراكيين، متفوقة على دومينيك-ستراوس كان ولوران فابيوس اللذين أطلقا دعوة للوحدة خلف رويال، في حملتها الانتخابية التي أعلنت عن المضي بها في أثناء زيارتها سور الصين العظيم، واستخدامها لفظة جديدة في القاموس الفرنسي، ارتبطت بها، استغلها مناصرو ساركوزي للتهجّم عليها واعتبارها "مرشحة غير ضليعة بلغة بلادها".
وكان هناك تسعة من المرشحين اليساريين الذي عرفوا عن أنفسهم "أنتي-ليبرالية" في تلك الانتخابات. كليمانتين أوتان، أوليفييه بزانسونو، ماري-جورح بوفّيه وآخرون، ثم انحسر عددهم، وتم الإجماع على ترشح الشيوعية ماري جورج-بوفّيه ممثلة للتيار اليساري الراديكالي. ومن بين الأسماء التي ترشحت آنذاك، فيليب دو فيليه، ممثلا تيار اليمين المحافظ ودومينيك فوينيه عن حزب الخضر. وحضر مرشح اليمين المتطرّف التاريخي جان ماري لوبان، آملا تكرار مفاجأة العام 2002، في حين كان فرانسوا بايرو، الوجه الأبرز لتيار الوسط وحزب "الإتحاد من أجل ديمقراطية فرنسا"، يضع كل ثقله لإنجاح حملته، والذهاب بعيدا في الدور الأول.
كما أشارت جميع استطلاعات الرأي، نجح ساركوزي في تصدّر الدور الأول الذي جرى في
22 أبريل/ نيسان 2007، حاصدا 31% من أصوات الناخبين، وحلّت سيغولين رويال ثانية مع 25% من الأصوات أمام فرانسوا بايرو الذي حل ثالثا (18% وتفوّق على ساركوزي ورويال في عدة محافظات، أبرزها البيرينيه التي حصد فيها 30% من أصوات الناخبين) وجان-ماري لوبان الذي حل رابعا (10% من الأصوات).
بين الدورين، جرت المناظرة الإنتخابية المعتادة بين المرشحين اللذين تأهلا، أي رويال وساركوزي الذي بدا مقنعا أكثر في الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فيما تفوقت عليه رويال في ملفات البيئة والصحة. ومستفيدا من أصوات فيليب دو فيليه الذي دعا مناصريه إلى التصويت لليمين الذي يمثله ساركوزي، لقطع الطريق أمام الحشد الذي حصلت عليه رويال من مرشحي اليسار الراديكالي والخضر الخاسرين، نجح ساركوزي في الفوز بنسبة 53% من أصوات الناخبين، ليصبح الرئيس السادس للجمهورية الخامسة. في ساحة الكونكورد مع عشرات الآلاف من مناصريه حضر ساركوزي مع خطاب النصر ووعود كثيرة لـ "فرنسا قوية"، وتوجّه لاحقا إلى واحد من أشهر المطاعم الباريسية "لو فوكيتس"، ليلاقي زوجته سيسيليا وعشرات الشخصيات فاحشة الثراء في عشاءٍ، عدّه الصحافيون ومعارضو ساركوزي الأكثر بذخا في تاريخ الجمهورية الخامسة. وقد ندم ساركوزي لاحقا على تلك السهرة، وقال، في مقابلة مع "لو فيغارو" سنة 2012، أنها كانت، إلى جانب سهرة اليخت مع رجل الأعمال الملياردير فانسان بوللوريه، من أسباب خسارته انتخابات 2012 أمام فرانسوا هولاند.

الشعبية تنخفض
بعد سنةٍ على انتخابه، انخفضت شعبية ساركوزي بشكل كبير، وبدأت وسائل الإعلام الفرنسية تركّز على فشله في الشق الاقتصادي، في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وارتفاع سعر النفط وقيمة اليورو، إضافة إلى المعاناة المستمرة من التضخم وغلاء الأسعار. وشهد عهد ساركوزي تشكيل ثلاث حكومات يمينية، ترأسها كلها فرانسوا فيون، المرشح الحالي عن حزب "الجمهوريين"، بعد إطاحته آلان جوبيه ونيكولا ساركوزي في انتخابات الحزب التمهيدية.
وفي الثاني من فبراير/ شباط 2008، تزوج ساركوزي للمرة الثالثة، من عارضة الأزياء كارلا بروني بعد طلاقه من سيسيليا، المرأة التي كان لها الإسهام الأهم في قضية إطلاق سراح الممرضات البلغاريات في ليبيا. وعلّق رئيس بلدية الدائرة الثامنة، فرانسوا لوبيل، على هذا الزواج، مازحا "عقدت اليوم قران ناخبين فرنسيين في الدائرة الثامنة في باريس، وهما يقطنان شارع 55، جادة سانت-أونوريه"، أي عنوان قصر الإليزيه.
قبل 17 شهرا من انتهاء ولاية ساركوزي، شكّل فيون حكومة ثالثة، شهدت للمرة الأولى أكثرية رئاسية مختلفة عن الأكثرية البرلمانية في حكومات "خارج التعايش"، الأمر الذي جعل ساركوزي مقيّدا بقصر ماتينيون. لذلك بدأ يعوّل على نجاح تلك الحكومة مع تعيين أسماء لامعة، ككريستين لاغارد وكزافييه برتراند وميشال أليو ماري، فضلا عن الزخم الكبير الذي يتمتع به من موقعه اليوم رئيساً لمجموعة العشرين الاقتصادية ولمجموعة الثماني والاتحاد من أجل المتوسّط.
وشكّلت الانتخابات البلدية سنة 2011 صفعة جديدة لساركوزي، بعد طلبه من مناصريه عدم
المشاركة في الدور الثاني في الدوائر التي فرضت مواجهة بين اليسار واليمين المتطرّف، ودعا إلى تطبيق سياسة "لا للحزب الاشتراكي، لا للجبهة الوطنية"، وأظهرت استطلاعات الرأي لاحقا التزام 49% من ناخبي اليمين الجمهوري بقرار ساركوزي، فيما ذهب حوالي 20% منهم للتصويت للجبهة الوطنية، ونشرت "لوفيغارو" آنذاك تقريرا يعلّل فيه هؤلاء ذهابهم إلى اليمين المتطرّف، بقربهم من الخيارات اليمينية لمارين لوبان، ورغبتهم في قطع الطريق على نجاح اليسار في دوائرهم.
وكان الفشل الداخلي الذي ترجمه ساركوزي في ارتفاع هو الأعلى منذ ثلاثين عاما لنسبة البطالة (من 8,1% إلى 10% خلال سنواته الخمس)، وتراكم 600 مليار يورو من الدين العام، وتراجع مخيف لقطاع الصناعة (خسارة 350 ألف وظيفة في الصناعة)، وعدم قدرته على الوفاء بوعوده في زيادة القدرة الشرائية مع زيادة 337 ألف مواطن تحت خط الفقر (يقدّر عدد الفرنسيين الذين يعيشون بأقل من 954 يورو بحوالي 8,2 ملايين مواطن سنة 2012).

تبعية لأميركا
تميّزت بدايات السياسة الخارجية لساركوزي بالتدخل الحاسم (Interventionnisme) في ملفات كثيرة، كان أولها مسعاه الجدي لإطلاق سراح الرهينة الفرنسية لدى قوات الفارك الكولومبية، أنغريد بتانكور، وعمله على حل قضية الممرضات البلغاريات في ليبيا، الأمر الذي انعكس في زيارة للعقيد معمر القذافي الإليزيه في ديسمبر/ كانون الأول 2007. وكان ساركوزي علامة فارقة في المفاوضات التي جرت بين روسيا وجورجيا سنة 2008، وكانت زيارته موسكو في أغسطس/ آب من السنة نفسها، ثم تبليسي، أولى بشائر معاهد السلام ووقف تقدم القوات الروسية نحو العاصمة الجورجية.
أسّس لسياسةٍ خارجيةٍ، عنوانها التبعية العمياء للولايات المتحدة الأميركية والصداقة مع إسرائيل، ما جعله محط انتقادات كبيرة، بسبب انزياحه عن سياسة الحياد والاستقلال التي انتهجها ديغول، وسار عليها الرؤساء الخمسة السابقون، بدأها بعودة فرنسا إلى حلف شمال الأطلسي، ومشاركتها لأول مرة في إرسال جنود إلى القاعدة الأميركية في الإمارات، وهندسته للتدخل العسكري في ليبيا، بعد تردده في دعم الثورتين المصرية والتونسية، وانقلابه على "صديقه" القذافي ودعوته إلى إطاحة حكمه في مارس/ آذار 2011.
قبل أيام من إعلان ساركوزي عن توجه القوات الفرنسية إلى طرابلس الغرب، كشف نجل القذافي، سيف الإسلام، عن تمويل والده حملة ساركوزي الانتخابية، الأمر الذي أكّده رجل الأعمال اللبناني، زياد تقي الدين، مسرّبا وثائق لموقع ميديابار، تفيد بتلقي ساركوزي 50 مليون يورو من النظام الليبي السابق. ولم تنته الفضائح التي تلاحق ساركوزي، فقد وجه المدعي العام في باريس، فرانسوا مولانس، أخيرا تهمة تمويل حملته الانتخابية سنة 2012، بشكل غير شرعي. ويشتبه القضاء الفرنسي بحصول ساركوزي على تمويل من شركة بيغماليون التي نظمت فواتير مزورة تبلغ قيمتها 18,5مليون يورو لإخفاء السقف القانوني الذي يحدد نفقات الحملات الرئاسية بـ 22,5 مليون يورو.