هولاند.. "رئيس عادي" لفرنسا تغلي

هولاند.. "رئيس عادي" لفرنسا تغلي

16 ابريل 2017
الصورة

هولاند.. مرشح المصادفة الذي يغادر الإليزيه قريبا (11/4/2017/Getty)

+ الخط -
لم تكن ربما مسيرة فرانسوا هولاند الحزبية كافيةً ليصبح مرشحاً لرئاسيات 2012، فالرجل الخمسيني لم يشغل أي منصب وزاري طوال حياته، على عكس المرشحين السابقين الذين نجحوا في الوصول إلى الإليزيه، بعد تجارب برلمانية ووزراية عديدة، لكنّه، كما يقول مقربون منه، أصبح مرشّح المصادفة الأقوى، بعد فضيحة فندق كارلتون التي عصفت بدومينيك ستراوس-كان، الاقتصادي اللامع ورئيس صندوق النقد الدولي الأسبق والمرشح الأوفر حظاً، حسب كل الاستطلاعات ليطيح نيكولا ساركوزي، الخارج من خمس سنوات صعبة، لم يستطع خلالها من تنفيذ وعوده الاقتصادية. 

تولى هولاند رئاسة الحزب الاشتراكي منذ عام 1997، وبقي في منصبه حتى عام 2008، عندما بدأ يفكّر ملياً في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. بالتعاون مع الاشتراكي الأوروبي العنيد، ستيفان لو فول، ورجل الأعمال المتخصص في المسألة الآسيوية، جان ماري كامباسيريس (الصين ودول آسيا الشرقية)، وصديق عمره المحامي دومينيك فيلومو، أسّس هولاند نادياً سنة 2009، أطلق عليه اسم "الإجابة على اليسار"، اهتم بالعمل على تقديم اقتراحات متعلقة بثلاثة مواضيع أساسية، ستشكّل لاحقاً صلب حملته الانتخابية: الإنتاج، النظام الضريبي، التربية.
بعد فوزه في الانتخابات الداخلية التي نظّمها الحزب الاشتراكي، وجعلها لأول مرة مفتوحةً أمام الفرنسيين، أطاح هولاند مارتين أوبري التي كانت تشكّل آخر العقبات أمامه، ليصبح مرشح الإجماع الحزبي، في ظل الدعم الذي حصل عليه من المرشحين الخاسرين في الدور الأول، مانويل فالس وسيغولين رويال وأرنو مونتبورغ.
أشرف بيار موسكوفيسي، ستيفان لو فول، ميشال سابان ومانويل فالس، على إدارة حملة هولاند الانتخابية. وفي أوّل لقاء انتخابي كبير في "البورجيه" في السين سان دونيس، وأمام آلاف
الاشتراكيين، عرض هولاند برنامجه الانتخابي، وقدّم 60 اقتراحاً بعنوان "التغيير الآن". ومن بين الوعود الهولاندية، تصدّر توفير 60 ألف وظيفة في مجال التربية خلال خمس سنوات، والعودة إلى التقاعد في سن الستين سلّم أولوياته التربوية والاجتماعية.
قبل موعد الدور الأول بحوالى الأربعة أسابيع، ومع إصرار مرشح تيار الوسط، فرانسوا بايرو، على الترشح، رغبة منه في تحقيق نتيجة شبيهة بالتي حققها سنة 2007 وهي 18,5%، وصعود تيار اليمين المتطرّف بعد انتخابات محلية، أكثر من ناجحة. ومع ارتفاع حظوظ جان لوك ميلانشون في الاستطلاعات، إذ قفز مرشح جبهة اليسار من 9%‏ إلى 17%، في غضون ثلاثة أسابيع، كان لا بدّ من وعود جديدة، يقدّمها هولاند أمام مناصريه، فتعهّد بخفض إنتاج الكهرباء عبر الطاقة النووية، من 75% إلى 50%‏ بحلول عام 2025، كما وعد بإدخال النظام النسبي في الانتخابات التشريعية، والعمل على تشريع زواج مثليي الجنس، والمساعدة على توفير شروط أفضل للموت الرحيم.

قبل الفوز بالرئاسة
حصل هولاند على نسبة 28% من الأصوات في الدور الأول، وحل ساركوزي خلفه بفارق بسيط (27%)، وجاءت مارين لوبان في المركز الثالث (18%). وبين الدورين، جرت مناظرة بين هولاند وساركوزي، تفوق خلالها المرشح الاشتراكي، ولعب على نقاط ضعف منافسه، فصوّب سهامه على الاقتصاد الذي يشهد جموداً في معدّل النمو، وارتفاعاً في عجز الموازنة، مع رقم قياسي في الدين العام، وصل إلى 600 مليار يورو، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة، بلغت حوالى 9,3% وفق إحصاء IFOP الذي استند إلى معايير مكتب العمل الدولي.
وفي ختام المناظرة، توجّه هولاند لساركوزي "الرئيس المرشح الذي أصبح مرشحاً رئيساً"، باستخدام صيغة الجناس البلاغي في تكراره "أنا كرئيس للجمهورية...". ولا ينسى المشاهدون الاتهامات التي كالها ساركوزي للإعلام الفرنسي، خصوصاً صحيفتي لومانيتي وليبراسيون، بعد تصويرها ساركوزي ماريشال بيتان جديداً.
حقق فرانسوا هولاند 51,64% من أصوات الناخبين في الدور الثاني، وأصبح سابع رئيس لفرنسا تحت الجمهورية الخامسة، وحظي بدعم أصوات كل من ميلانشون ومرشحي اليسار الراديكالي، وكانت المفاجأة المدوية كلام فرانسوا بايرو عن ذهابه إلى التصويت لصالح هولاند، واتهامه ساركوزي بانتهاج "سياسة عنيفة"، مع تركه الخيار لمحازبيه في التصويت لمن يرونه الأنسب لفرنسا. تداعى أنصار اليسار والحزب الاشتراكي إلى ساحة الباستيل، للاحتفال بعودتهم إلى الإليزيه، بعد غياب دام 17 عاماً، تخلّلتها ضربات موجعة (خسارة جوسبان 2002)، وشرذمة داخلية وانقسامات عديدة، وتحدث فرانسوا هولاند عن "ساعة التغيير الحقيقية التي تبدأ اليوم، وتعهّد بتنفيذ وعوده الانتخابية، ملتزماً الدستور ومبادئ الجمهورية الخامسة".
لاحقاً، أظهرت أرقام الدور الثاني اختيار تسع مدن من بين المدن الفرنسية العشر الكبرى
فرانسوا هولاند (وحدها نيس منحت ساركوزي نسبة 60% من أصوات الناخبين فيها)، وشهدت مدن تولوز، ليل، مونبيليه ونانت تسجيل فارق أكثر من عشر نقاط لصالح هولاند، وهي المدن التي منحت أصواتها تاريخياً لمرشح اليسار في الدور الثاني. وكلّف فرانسوا هولاند جان-مارك أيرولت بتشكيل حكومة جديدة، التزمت، للمرة الأولى، المناصفة بين الرجال والنساء (34 وزيراً مناصفة). وفي حركة لقيت ردة فعل إيجابية لدى الفرنسيين، أعلنت الحكومة، في أول اجتماع لها، عن خفض رواتب الوزراء بنسبة 30% التزاماً منهم بالوعود الانتخابية التي قطعها هولاند في أثناء حملته.
بعد خسارة الاشتراكيين في الانتخابات البلدية، تم تكليف مانويل فالس بتشكيل حكومةٍ اتخذت طابعاً اجتماعياً ليبرالياً. كتبت صحيفة الإكسبرس، في 7 يناير/ كانون الثاني 2014، عن الانعطافة الليبرالية في عهد هولاند، واعتبرت تسمية إيمانويل ماكرون الذي عمل مستشاراً لهولاند منذ 2010 توجهاً ليبرالياً خالصاً، لكنّ هولاند أصرّ على أنه يتبع سياسة اشتراكية –ديمقراطية، لكنّ اتهامات الخيانة كانت وما زالت شماعة المتكالبين على تجربة اليسار في الحكم.
مع تمرير وزير الإقتصاد إيمانويل ماكرون قانوناً متعلقاً بالإصلاحات الاقتصادية، وإلحاقه بقانون وزيرة العمل، مريم الخمري، التي لقيت دعماً كبيراً من مانويل فالس، اندلعت تظاهرات عمالية شلّت باريس، وبعض المدن الكبرى في ربيع العام الفائت، وانخفضت، في تلك الفترة، شعبية فرانسوا هولاند إلى أدنى مستوياتها.
كما تعهّد سابقاً، تبنى فرانسوا هولاند قانون الوزيرة كريستيان توبيرا حول الزواج المثلي الذي تم تشريعه في ظل معارضة اليمين المحافظ، والمجموعات الكاثوليكية، هذا القانون وتنظيم مظاهرات داعية إلى الرجوع عنه. اعترف هولاند بمسؤولية الشرطة الفرنسية عن ارتكاب جريمة في باريس، بحق الوطنيين الجزائريين سنة 1961، في أثناء احتجاجهم على الاستعمار الفرنسي لبلادهم، لكنه لم يتحدث عن الاستعمار بحد ذاته، على الرغم من زيارته الجزائر وكلامه عن رغبة فرنسية في طي صفحة الماضي الأليم بين البلدين.

هوى أطلنطي
استمر هولاند باتباع سياسة ساركوزي الخارجية، سياسة الهوى الأطلنطي الذي كسر إيقاعها انسحاب القوات الفرنسية من أفغانستان، لكنّه انخرط في الصراع في مالي، عبر إرساله قوات فرنسية للقتال إلى جانب القوات الحكومية، ودحر المليشيات الإسلامية المتمردة في شمال البلاد. (Opération Serval). كما شاركت القوات الفرنسية في قصف مواقع تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسورية، ضمن قوات التحالف الدولي. وفي الصراع السوري، اتخذ هولاند موقفاً جذرياً، وقطع العلاقات مع نظام الأسد، ودعا إلى حل سياسي عاجل يبدأ برحيل الأسد. وعارضت الدبلوماسية الفرنسية مرات عديدة استخدام موسكو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، واتهم مندوب فرنسا في المجلس روسيا بدعم القوات النظامية، وارتكابها جرائم ضد الإنسانية في حلب.
امتلك هولاند شجاعة لم يمتلكها نيكولا ساركوزي، ورؤساء سابقون. وأعلن، في ديسمبر/
كانون الأول الماضي، نيته عدم الترشح لفترة رئاسية جديدة، وقال إنه قرّر التفرغ إلى مواصلة مهامه الحالية حتى نهاية مدته الرئاسية، لأنه حريص على مصلحة فرنسا العليا، لا سيما وأنّ انقسام اليسار الحالي لن يساعده على الترشح مجدداً. وفي حديثه الذي أعلن فيه عدم خوضه غمار رئاسيات 2017، خصّص هولاند الجزء الأكبر من مداخلته للحديث عما اعتبرها إنجازات تحققت خلال السنوات الخمس التي قضاها في الإليزيه، كالحفاظ على النموذج الاجتماعي الفرنسي، من خلال تسهيل نظام التقاعد المبكر، وتوسيع مجالات الحريات الفردية، عبر إقرار مبدأ زواج المثليين، وانتداب مزيد من المدرسين، وإصلاح نظام حكم المناطق المحلية، وخفض الضرائب الموظفة على المؤسسات الاقتصادية.
لن يخرج فرانسوا هولاند من الإليزيه، في مايو/ أيار المقبل، كما دخله. تغيرت أشياء كثيرة في السياسة والاقتصاد والبنى الاجتماعية لشارع يغلي. بلد يهدّده وحش الإرهاب، ويعيش أزمة بطالة حادة، ويعاني انقساماً حاداً حول مسائل الاندماج والهوية، يتركه فرانسوا هولاند كما يترك خلفه يساراً يمشي في حقلٍ من الألغام.