سؤال المآلات يقلق الحراك الجزائري

29 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
سبع وخمسون سنة من عمر الجزائر المستقلة، لم تذق فيها طعم الديموقراطية، ولم يعرف التداول على السلطة إليها سبيلاً. لم تتغير موازين القوى كثيراً، فتدخل الجيش كان حاضراً في كل مفاصل الدولة، وفي مختلف أطوارها. وبقي ترتيب النظام السياسي في الجزائر مرهوناً دائماً بالمؤسسة العسكرية التي لم تبتعد عن الشأن السياسي في كل مراحل تطور الدولة الجزائرية منذ الاستقلال، فكان الجيش يمارس، في تسييره الشأن العام، مبدأ الفصل بين السياسة التي تركها للنقاش العام وللأحزاب، موالاة ومعارضة، أما الحكم فشأنه وحده لا ينازعه فيه أحد. 
جاء الحَراك جميلاً في 22 من فبراير/ شباط الماضي، مُبهجاً، واستفاقت البلاد على أجيال أخرى، طموحها كبير في أن ترى الجزائر متطورة مزدهرة. كبرت طموحات الحراك الشعبي ومطالبه، مع توالي أيامه، فما كانت مجرّد مطالب بانتفاء الولاية الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحولت سريعاً إلى مطالب بإزاحة ما أصبحت تسمى "العصابة"، ومن بعدها المطالبة بذهاب رموز النظام السابق كلها. ارتفع سقف مطالب الحراك، وتعدّدت رغباته وتباينت أحياناً كثيرة. حققت السلطة بعضها، كان أهمها زج بعض رموز النظام السابق في السجون، وتغاضت عن أخرى، كان في مقدمتها ذهاب رموز السلطة السابقة. استبعد الحراك أي تمثيلٍ له أو قيادة، ورفضت السلطة الفعلية، من جهتها، التعامل مع مختلف المبادرات السياسية من خارج الحراك، التي كان مصدرها تكتلات سياسية أو شخصيات وطنية.
لا ينكر أحد أن ما حققه الحراك الشعبي من نتائج كبيرة، كفيل بإنجاز نقلة نوعية في وعي 
الجماهير والمؤسسات، ذلك أن المشتغلين في حقل علم الاجتماع السياسي ينظرون إلى المسألة من زاوية التغير الحاصل في سلوك المجتمع ووعيه. وكان ما حدث خلال أشهر من الحراك كفيلاً بتحقيق أهدافٍ أصبحت في حكم المكتسبات. فالحراك حرّر الجميع، من طبقة سياسية، وأعوان إدارة، وطبقات شعبية، وحتى مؤسسة الجيش التي رافقت الحراك في الحفاظ على سلميته، وسلامته. ومن ثمّة، الوعي المتكون من خلال هذا الحراك هو في حد ذاته مكسب لا يمكن التفريط فيه، فسنوات الإحباط وخيبات الأمل الطويلة، خصوصاً في عهد عبد العزيز بوتفليقة، أكسبت الشعب مناعةً ضد كل محاولة اختراق، أو استمالة. فالأموال التي صُرفت سنوات طويلة في شراء السلم الاجتماعي لم تصمد مشاريعها مع أول هبّةٍ لرياح الحراك.
هذا أهم مكسب يمكن البناء عليه، فاستقامة وعي الناس هي الركيزة الأساسية لبناء الأمة، من خلال إيمانها الراسخ بأصولها وتنوعها ومكتسباتها ولغتها وثقافتها وحضارتها، وطموحها، وإرادتها في دخول الراهن العالمي. لم يكن الوصول إلى هذه القناعة سهلا أو يسيراً، غير أن رسوخها في عقول الناس، والشباب خصوصاً، سيجعل مناورات التزييف والتحييد، ومراوغات التأجيل والتريث مجرد عبثٍ وقتي ليس إلا.
ما الحل إذاً، وبعض الشارع لا يهدأ، خوفاً من تكرار تجربة الفشل، واحتفاظ أهل السلطة بالسلطة، وقيامها بممارساتٍ عفا عنها الزمان، على الرغم من رسائل الطمأنة التي يبثها قائد أركان الجيش، أحمد قايد صالح، حيثما حل وارتحل، بحديثه عن وضع القطار على السكة من خلال انتخاب رئيس الجمهورية، وتوفير سبل الشفافية لانتخابه؟
ما تحقق ليس هيّناً، ولكنه لا يرقى إلى طموحات حملها الحراك في شوارع العاصمة ومدن الجزائر وأريافه. فبين حراكٍ ضاغطٍ بشعاراتٍ برّاقة في معظمها، ولكنها عامّة لم ترقَ إلى برنامج أو مشروع للبناء. ومؤسسة عسكرية تمتلك السلطة الفعلية في البلاد، وتتمسّك بأهداب 
دستور، خوفاً من انفراط عقده، تبقى الجزائر واقفة على أطراف قدميها، فالوضع فيه من الهشاشة المؤسساتية والاقتصادية ما يبعث على القلق. وما هو دعا بعضهم إلى اعتبار الانتخابات الرئاسية المقبلة مجرّد محطة من محطات التغيير، قد تكون أهمها، ولكنها ليست المآل المنشود، فهي أقل ما يمكن تحقيقه في هذه الظروف الصعبة، والرئيس المقبل سيكون على موعدٍ مع اشتداد عود الحراك أكثر، إن هو لم يعمد إلى التأقلم معه، واحتوائه بتقديم مشروع تغييرٍ مقبولٍ وقابل للتنفيذ.
قد تكون الانتخابات النيابة فصلاً آخر، لا يقلّ أهميةً عن الرئاسيات، قد تكون منطلقاً فعلياً لممارسة جديدة في الحكم، من طريق فتح العمل السياسي والحزبي، بعيداً عن أساليب السياسة في النظام السابق، التي لم تكن إلا مجرّد مغالبةٍ لأمر واقع، فرضته سطوة فاعل، لم تتم زحزحته من مكانه وعزله وسجن أزلامه، وعصابته، إلا بحراكٍ شعبيٍّ لا يمكنه أن يفرط في ما اكتسبه.
ثم إن التغيير الذي تنشده الأمم لا يأتي في شكل متسرّع متعجل، فلننظر إلى الطبيعة التي تتغير من فصل إلى فصل، ومن مناخ إلى آخر، تأتي سلسة هادئة، لا تفسد زرعاً ولا تفطم ضرعاً، أما إذا جاءت جامحةً على شكل فيضان أو زلزال، فإنها تترك دماراً كبيراً وعدداً من الضحايا. وهو ما لا قِبل لنا به في هذا الظرف الذي تمرّ به البلاد، التي هي أحوج ما تكون إلى الوحدة والسكينة والهدوء والسلامة، فحال المنطقة المضطرب من حولنا لا يسمح لنا بأي جانحةٍ أو غلطة، فالمتربصون من أعداء الجزائر في الداخل والخارج كثيرون، وهم لا يعدمون حيلة في توريط البلاد في أزمات يحشدون لها ما استطاعوا من عتاد وعباد.