زيارة أردوغان إلى الصومال: أبعاد استراتيجية وتنافس إيراني

26 يناير 2015
الصورة
شراكة استراتيجية بين تركيا والصومال (فرانس برس)
+ الخط -

أصرّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على التوجه إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار جولته في شرق أفريقيا التي بدأها من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على الرغم من التفجير الانتحاري الذي تبنته حركة "الشباب المجاهدين" ووقع أمام بوابة فندق قرب القصر الرئاسي في العاصمة مقديشو، حيث كان الوفد التركي يعقد اجتماعاته مع الجانب الصومالي للتمهيد لزيارة أردوغان، مسقطا أربعة قتلى صوماليين وثلاثة جرحى.

لا يمكن فصل إصرار أردوغان والعملية الانتحارية التي قادتها الحركة عن التطورات الأمنية في المنطقة. ففي الوقت الذي كان فيه اليمن على الضفة الأخرى من مضيق باب المندب يمرّ بإحدى أكبر الأزمات في تاريخه منذ توحيد شطريه بسبب تغول مليشيات "أنصار الله" (الحوثيين) المدعومة من إيران التي نجحت في تحويل اليمن إلى ورقة أخرى في يدها، كانت زيارة أردوغان نوعاً من تأكيد النجاح التركي في مدّ نفوذه إلى الصومال بعد أن أصبح هذا البلد مسرحاً للصراع بين الطرفين قبل سنوات، بكل ما يحمله هذا البلد، الذي دمرته الحرب، من أهمية استراتيجية لإطلالته على خليج عدن الذي يشكل أحد أهم خطوط الشحن في العالم بين آسيا وأوروبا مروراً بقناة السويس. ويضاف إلى ذلك، الحديث الذي بدأ أخيراً عن وجود كميات كبيرة من النفط في السواحل الصومالية.

ويعدّ الصومال بالنسبة لإيران من أهم النقاط الاستراتيجية إضافة إلى اليمن، حتى إن طهران كانت قد أرسلت في عام 2009 سفينتين حربيتين إلى خليج عدن لحماية سفن الشحن التجارية وشحن النفط الإيرانية من القراصنة. ولكن هناك أهمية أخرى كانت للصومال، إذ إن السيطرة عليه إلى جانب اليمن، تعني إكمال الكماشة على كل من دول الخليج ومصر، حيث سيهدد ذلك قناة السويس بعد السيطرة على كل من بغداد ودمشق وبيروت.
وأشارت الكثير من التقارير الاستخباراتية إلى أن إيران حاولت كثيراً تقويض الدور التركي في الصومال عبر تقديم الدعم للجماعات الجهادية، ومنها جماعة "الشباب المجاهدين" عبر الرئيس الأريتري إيسياس أفورقي. وهو الأمر الذي أكده رئيس الوزراء الصومالي السابق علي محمد جيدي مراراً، كما أكدت تقارير المعارضة الأريترية أن الحرس الثوري الإيراني استخدم الأراضي الأريترية لتدريب الحوثيين قبل سنوات.

نتيجة هذه المعطيات، ستبدو عملية شباب المجاهدين المرتبطة بتنظيم القاعدة ذات بعدين، إذا أضيف على اللائحة الدور الذي تؤديه تركيا بوقف تدفق المقاتلين الأجانب عبر أراضيها للانضمام إلى كل من جبهة النصرة التابعة للقاعدة أو تنظيم "الدولة الإسلامية" عبر عضويتها الفاعلة من الناحية السياسية والاستخباراتية في الحلف الأميركي ضد "داعش" و"القاعدة" في كل من سورية والعراق، والارتباطات القديمة للشباب المجاهدين بطهران، إضافة إلى الاتفاقيات الموقعة بين مقديشو وأنقرة لتدريب وحدات مقاتلة صومالية. البعد الأول يتمثل في توجيه ضربة لعدو الأخوة في العراق والشام، فضلاً عن توجيه رسالة مبطنة من طهران.

وتعتبر هذه الزيارة الثانية لأردوغان إلى الصومال، إذ بدأت العلاقات بين البلدين بزيارة الأخير إلى مقديشو عام 2011 عندما كان يشغل منصب رئيس الوزراء، لتشكل منعطفاً هاماً في تاريخ الحياة السياسية الصومالية تلتها زيارات العديد من الدبلوماسيين والسياسيين.
يومها أعلن أردوغان عن افتتاح السفارة التركية في مقدشيو، كما أعرب عن تضامن بلاده مع الصومال في محنته ومعاناته السياسية والإنسانية والأمنية. وكان الصومال يعاني من مجاعة طاحنة، إضافة إلى آثار الحرب الأهلية وأعمال القرصنة.

وعلى الرغم من حداثة العلاقات الصومالية التركية، فإن تلك الزيارة تعدّ بداية عهد جديد من علاقة شراكة استراتيجية بعد تأدية تركيا لدور رئيسي في إثارة انتباه الرأي العام العالمي حول كارثة المجاعة في الصومال.

كما قادت تركيا عقد مؤتمر لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول، تمخض عنه تخصيص مبلغ 350 مليون دولار لمساعدة الصومال نُظّمت بعدها حملة لجمع التبرعات بين أوساط الشعب التركي الذي استجاب بسخاء منقطع النظير.

وفي ظل الانشغال الخليجي بتوترات المنطقة بعد ثورات الربيع العربي، تجاوزت مساعدات تركيا للصومال البعد الإنساني لتشمل التنمية وبناء البنية التحتية والمؤسسات الخدماتية في قطاعي الصحة والتعليم، لتصبح اليوم عملاً مشتركاً أثمر إنهاء أعمال الترميم والتجديد في مطار وميناء مقديشو، وفتح أول خط طيران دولي بين مقدشيو واسطنبول لأول مرة بعد عشرين عاماً منذ إغلاق مطار مقديشو في وجه الطيران الدولي، إضافة إلى إنشاء مستشفى مقديشو بسعة 200 سرير، وإعادة بناء الطرق والبنية التحتية في العاصمة.

المساهمون