روسيا من جديد

20 سبتمبر 2015

بوتين في جزيرة القرم .. قيصر روسيا الجديد (12سبتمبر/2015/Getty)

+ الخط -
هذا عنوان فصل من كتاب "الطريق إلى قيصر" الصادر عن مركز "البوصلة"، للكاتب السوري نبيل ملحم، لكنه عنوان مرحلة جديدة في الأزمة السورية، بعد الحديث عن دعم روسي عسكري للنظام السوري، وما تتداوله وكالات الأنباء والمواقع عن الأزمة السورية على جميع الأصعدة، والنتائج الفاجعة التي تكثفها صور المهاجرين السوريين ومشاهدهم، وهم يقارعون الموت، ليس هرباً من أتون الحرب السورية فقط، بل بحثاً عن المعاني في بلاد أخرى، بعدما ماتت في بلادهم كل المعاني.
العالم الحالي موّار بالحروب المعلنة وغير المعلنة، والدوافع والأسباب والحوامل متنوعة وعديدة، تجعل القوى العظمى في حالة تناحر ومواجهة لأجل مصالحها، ولأجل تثبيت مواطئ أقدام لها في السيادة على العالم، وصياغة قراراته المصيرية. وروسيا التي لم تزل أصداء الماضي، القابع في تاريخها، تهز مضاجع أهلها وتؤجج حنينهم إلى مجدها الغابر، دولة قوية منذ عهد الامبراطورية القيصرية، وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي والدول التابعة لمنظومته، تعود اليوم إلى استرداد دورها الفاعل والقيادي في العالم، بعد أن استأثرت قيادته قوة وحيدة، في العقدين الماضيين، هي الولايات المتحدة الأميركية، تعود روسيا عبر قيصرها الجديد، فلاديمير بوتين، وسياسته الجديدة منذ وصوله إلى الحكم والقرار الروسيين.
عالم تشغله الحروب والمطاحنات، وقضايا كبيرة، من طاقة وخطوط الإمداد، وهيمنة الدولار والمخدرات والإرهاب وتجارة السلاح والثورات والمؤامرات وغيرها، فأين هي روسيا؟ وأين هي منطقة الشرق الأوسط، وسورية خصوصاً، من هذا الصراع كله؟
يرى نبيل الملحم أن فهم أحداث قرغيزستان مدخل لفهم المعادلة الأميركية التي ترى أن سقوط الاتحاد السوفييتي كان الإرث الأخير لأميركا بعد أن ورثت بريطانيا وفرنسا بكل جبروتهما، ليكتمل الحلم بأمركة العالم، معتمداً أيضاً على ما جاء في كتاب "رقعة الشطرنج الكبرى" لزبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي، جيمي كارتر. لكن حلم أميركا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لقمة سائغة قدمها غورباتشوف ويلتسين سوف تتعرقل بقيصر مضمر، هو فلاديمير بوتين، معتبراً أن هذا هو لب الصراع الممتد من سورية إلى أوكرانيا.
تحت عنوان "روسيا من جديد" يستهل الكاتب الفصل بجملة: إنها الفوضى، العنوان الأبرز للقرن الحادي والعشرين، مستنداً إلى ما جاء في تقرير ورشة أعدها مركز واشنطن لسياسات
الشرق الأدنى في عام 2008، تحدث فيها توماس فيغنر، مدير المخابرات الوطنية الأميركية، بعنوان "الاتجاهات العالمية 2025"، وصل فيه إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات المالية في عالم اليوم، فإن العالم أحادي القطب سوف يصبح ثنائياً أو متعدد الأقطاب. كيف؟ ستكون منطقة الشرق الأوسط في صلب قوس عدم الاستقرار، القوس الذي أطلق عليه سابقاً هنري كيسنجر اسم "قوس الاهتزاز"، حيث ستُحلّ المشكلات الحالية التي تكتنف البرنامج النووي الإيراني، بطريقة أو بأخرى، ومن المرجح أن يستمر الإرهاب في المنطقة، وسيكون الشرق الأوسط مرتعاً للتجنيد والنشاط الإرهابي. يترافق ذلك مع نهوض القوى الصاعدة، الصين وروسيا خصوصاً، وستروجان لنموذج بديلٍ ينطوي على عدد أقل من القيم الديمقراطية، ودور أكبر للدولة. وهذا لن يتم من دون إراقة دماء، ونشوب الحروب "الولّادة"، أي ولّادة التاريخ، على رأي هيغل. وسوف يحاول الروس الإمساك بصفحات التاريخ ومطرقته، بعدما انزاحوا عن هذا الفعل عقدين، متبعين سياسة تستبطن روح القيصر، ومدفوعين بالحنين واستحضار التاريخ الروسي.
أما الربيع العربي الذي رآه الروس صقيعاً، فقد تناوله الكتاب من وجهات نظر روسية، بعد أن أظهر استطلاع للرأي أن نسبة 34% فقط من الروس كانوا يخشون تسرب الربيع إلى بلادهم، أما الباقون فلم يكونوا يتوقعون ذلك، ومن الأدلة عليه التجربة الديمقراطية الروسية، وما أوصلت البلاد إليه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
صوت القوميين الروس يعبر عنه ما جاء في كتاب المؤرخ الروسي، نيكولاي ستاريكوف، "سيناريوهات مجهولة تصنع التاريخ" (2011) الذي يعتبر أن "الفوضى والثورات سلاح الدولار"، ينشغل الكتاب بوقائع الربيع العربي، بدءاً من مصر ووصولاً إلى قرغيزستان، ومعتبراً، بعد تحليل هذه الوقائع، أن الكراهية خبز الثورات، وإثارة الفوضى تؤجج الكراهية عند الجماهير الثائرة، وهذا ما تلجأ إليه أميركا في سياساتها حول العالم في أماكن نفوذها ومصالحها، ومثالها القناصة السريون وتجارب من هذا القبيل، عرضها في كتابه "تأميم الروبل"، إن كان في أوكرانيا أو قرغيزستان أو إيران وتايلاند ورومانيا وموسكو، في تواريخ مختلفة.
وفي سورية، حيث هناك "صراع الجميع ضد الجميع"، كما تقول الكاتبة الأرثوذوكسية ناتاليا ناروتشنتسكايا، فالاضطرابات السورية تعني "قتل المسيحيين وتهجيرهم"، بحسب قولها، وتلفت إلى العواقب الخطيرة لتدمير سورية، وبالذات بالنسبة لفرنسا وأوروبا، بل حتى لروسيا، فانكسار التوازن الإثني والطائفي في كل الشرق سوف يؤدي إلى انهيار المنطقة، والجيران الأقرب سيستقبلون العدد الأكبر من اللاجئين.
أما الفريق أول ليونيد إيفاشوف، رئيس الأكاديمية الروسية الجيوسياسية، فيقول: ما من ثورة
في المرحلة الراهنة يمكن أن تكون عفوية من دون تدخّل القوى الخارجية المعنية باستخدامها، وأن أيا منها ليست سوى جزء من مخطط لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم، وضع بتدبير من الولايات المتحدة، استشهد بخطة دالاس لتحقيق انهيار الاتحاد السوفييتي، بإثارة الخلافات بين موسكو وأوكرانيا وإدخال القناصة السريين لإثارة الفوضى وإشعال الحرب الأهلية فيها.
كذلك بالنسبة إلى سورية، فالمخطط نفسه مورس على السوريين، كما يقول، بإطلاق "عملية نوعية"، فقد عقد اجتماع في المقر الفرعي لوكالة الاستخبارات الأميركية في تركيا، في عام 2011 حضره عبد الحليم خدام ووزراء منشقون، تم فيه وضع خطة لعملية نوعية، تضمنت التجهيز لمعسكرات مقاتلين، تم جمعهم من مختلف البلدان، ثم بدأوا بإعدادهم عسكرياً، وبعدها بدأ تدفق المقاتلين عبر الحدود، وأخذ المقاتلون يتغلغلون في الأراضي السورية عبر الحدود التركية.
فما هي مراحل العملية النوعية التي حكى عنها الجنرال الروسي؟ المرحلة الأولى كانت بالحث على الاستياء من النظام عبر تجنيد المنابر الإعلامية، والأسباب كثيرة كما يقول، لدى نظام يقوم على الفساد. وكانت الثانية بتجميع المستائين وإيجاد قيادات لهم. الثالثة مرحلة الاحتجاجات المنظمة وإخراج الناس إلى الشوارع. ثم دُفعت الأمور باتجاه الفوضى، وطلب من المعارضة عدم القبول بإجراء حوار مع النظام، وآلت الأمور إلى ما هي عليه.
ثم جاء عزم روسيا على عدم تكرار موقفها من الأزمة الليبية في سورية، خصوصاً لما تتصف به العلاقة بين البلدين، منذ النصف الثاني من القرن الماضي، والسياسة التي لعبها حافظ الأسد وعلاقته بالروس، وقد ألغت روسيا في عام 2005 عشرة ملايين دولار من ديون الاتحاد السوفييتي على سورية، مقابل بيعها السلاح، لكن اللافت تغير طبيعة السياسة الروسية، وميلها إلى البراغماتية، فقد "تصرفت بشكل يسمح للأميركان بالتراجع عن التدخل العسكري في سورية، من دون أن يفقدوا ماء وجههم، وذلك لأجل مصالح العالم، وإنقاذ التوازن الحضاري العالمي".
كتاب "الطريق إلى قيصر" كثيف المعاني والدلالات، والتوثيق، يخلص إلى أن روسيا ستظل قائمة وتتكاثر وتتطور، بصفتها أوروبا بخصوصية روسية، لن تكون روسيا غرباً، ولا يجد الروس في ذلك أية مشكلة، بالنسبة إلى العلاقات المتبادلة، لكن المشكلة في المواقف العدوانية لليبراليين اليساريين الأوروبيين. ومع ذلك، ألا تفرض الديمقراطية الأصيلة مبدأ أساسياً هو حق الشعوب في الاختيار الحر؟ إنه حق روسيا والروس بفرادة طريقها التاريخي الخاص بها. ويبقى السؤال: أين نحن السوريين من هذا الحق، في ظل الدور الروسي الفاعل والضاغط في الأزمة السورية؟