روحاني يلمح للتفاوض مع واشنطن... ماذا يجري خلف الكواليس؟

09 ديسمبر 2019
الصورة
روحاني وصف المفاوضات بـ"التصرف الثوري" إذا أحبطت "المؤامرة"(فرانس برس)
+ الخط -
قال الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم الاثنين، إن "المسؤولية القانونية والثورية" تستدعي توظيف كافة الطرق والسبل لحل المشاكل، مشيرا إلى التفاوض كواحد منها، ليؤكد أنه إذا ما أحبط التفاوض "مؤامرة العدو"، فسيكون خوضه "ضرورياً وتصرفاً ثورياً".

لكن يبدو أن إيران ليست متفائلة كثيراً بحصول تفاوض يكسر "المؤامرة"، ويحل مشاكلها، إذ قال روحاني خلال لقاء مع طلبة الجامعات بجامعة فرهيغتغان بطهران، بمناسبة يوم الطالب، إن حكومته بنت موازنة العام المقبل، التي تم عرضها على البرلمان أمس الأحد، على أساس استمرار العقوبات ولا تتكل على "التفاوض".


إلا أن حديث الرئيس الإيراني عن التفاوض، باعتباره "تصرفا ثوريا في حال أفشل المؤامرة"، يحمل في طياته مؤشراً، ولو بسيطاً، على أن بصيص أمل بدأ يخترق ذهن صانع القرار الإيراني حول جدوى التفاوض مع أميركا، وهو، إن صح، من نتائج صفقة تبادل السجناء بين طهران وواشنطن، التي أنجزت بوساطة سويسرية، وهي القناة الأساسية للتواصل بين الجانبين منذ انقطاع العلاقات عام 1979، إلى جانب القناة العمانية.

هذه الصفقة التي نُفذت السبت الماضي، بعد الإفراج المتبادل عن المواطن الأميركي شيوي مانغ والمواطن الإيراني مسعود سليماني، أثارت تكهنات وتساؤلات على مدى اليومين الأخيرين، عما إذا كانت هذه المبادرة تتوقف عند بعدها الإنساني، أو تتجاوزه لتتبعها خطوات سياسية تكسر الجليد في العلاقات المتأزمة بين الطرفين، خصوصاً أن رسائل الشكر الأميركية انهالت على إيران من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، ليشكر الأول طهران على "مفاوضات منصفة جداً"، مخاطبا إياها بالقول "هل رأيتم؟ نستطيع إنجاز اتفاق معاً"، والثاني أيضاً أعرب عن سعادته "لأن طهران كانت بنّاءة" لإنجاز الصفقة.

وما يعزز القناعة بأن هذه المبادرة الإنسانية قد تعقبها خطوات سياسية، هو ما كشفت عنه صحيفة "وطن إمروز" الإيرانية، في عددها الصادر اليوم الاثنين، حول التفاصيل "السياسية" لصفقة تبادل السجناء بين طهران وواشنطن، معتبرة أن زيارة روحاني المرتقبة إلى اليابان، خلال الأسابيع المقبلة، هي من نتائج صفقة التبادل.

وفي السياق، قالت الصحيفة إن "النقطة التي تكتسب الأهمية" في تبادل السجناء، هي أن "السلطات الأميركية، مقابل الإفراج عن جاسوسها السجين (في إشارة إلى مانغ)، أعطت الضوء الأخضر لليابان لإنجاز وتنفيذ اتفاقيات اقتصادية مع إيران، فضلا عن الإفراج عن الدكتور مسعود سليماني".
هذه الاتفاقيات الاقتصادية تعتبر إيران اليوم بأمس الحاجة إليها، على خلفية التطورات الداخلية التي تشهدها، نتيجة سوء الوضع المعيشي للمواطن الإيراني إثر العقوبات الأميركية "القاسية"، وهو ما فجّر احتجاجات واسعة في البلاد خلال الشهر الماضي، ما من شأنه أن يدفع الجانب الإيراني نحو إعادة جرد حساباته السياسية، وإبداء مرونة ما في موضوع التفاوض مع واشنطن.

لكن المشكلة أن الجانب الإيراني لا يثق بترامب ولديه مخاوف من أن يستغل هو التفاوض في معاركه الانتخابية الداخلية، من دون أن تحصل طهران على أي شيء، لذلك تسعى الأخيرة جاهدة إلى الحصول على شيء ما يتعلق بتخفيف العقوبات قبل بدء التفاوض، وليس إلغائها كافة، كما تصرّح علناً، لأن ذلك يبدو صعبا للغاية على الرئيس الأميركي، خصوصاً في ظروف الاستحقاق الانتخابي، حيث سيعتبره خصومه السياسيون استسلاماً أمام الإيرانيين، فضلاً عن أن حاجته الماسة إلى دعم اللوبي الإسرائيلي تحول دون ذلك.

ومن ثم فإن "الاتفاقيات التجارية" التي أشارت إليها "وطن إمروز"، في حال تمت، قد تكون ذاك الشيء الذي تبحث عنه طهران لتشكل مدخلا للتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية. ورغم أن الصحيفة لم تشر إلى طبيعة هذه الاتفاقيات، إلا أنها قد تطاول تصدير النفط، ذلك الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني، خاصة أن اليابان كانت من مشتري النفط الإيراني الأساسيين، قبل أن تعزف عن شرائه بعد فرض واشنطن حظراً شاملاً على الصادرات النفطية الإيرانية، اعتبارا من الثاني من مايو/أيار 2019. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون من ضمن تلك الاتفاقيات أيضا موافقة أميركية على دفع اليابان عوائد النفط المستورد سابقا من إيران، أو جزءاً منها على الأقل، وهي عوائد تتحدث تقارير إعلامية عن أنها تبلغ 20 مليار دولار، منع الحظر الأميركي للمعاملات المالية والمصرفية الإيرانية أن تسترجعها طهران.

في الأثناء، يجري التنسيق لزيارة روحاني إلى اليابان، حيث ترجح مصادر إيرانية، أن تكون في العشرين من الشهر الجاري، وهي إحدى أهم زيارات روحاني الخارجية، وأول زيارة لرئيس إيراني إلى ذلك البلد منذ 19 عاماً.

وتأتي الزيارة في سياقها الظاهري، رداً على زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى طهران خلال إبريل/نيسان الماضي، لكن ضمنيًّا، ربما تكون في صلب ما يجري خلف كواليس السياسة، خصوصا أن واشنطن، الحليف الأساسي لطوكيو، أبدت موافقتها للأخيرة على استضافة روحاني، بحسب ما نقلت صحيفة "اليابان تايمز" عن مصادر دبلوماسية يابانية، أمس الأحد.

والجدير بالذكر أن اليابان تعتبر إحدى القنوات الوسيطة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وزيارة آبي إلى طهران، التي كانت أول زيارة لرئيس وزراء ياباني لإيران منذ الثورة الإسلامية فيها عام 1979، جاءت في هذا السياق بالأساس، لكنها أخفقت في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. لكن زيارة روحاني من شأنها أن تفعّل الوساطة اليابانية بالنظر إلى المعطيات الجديدة.

وفي مؤشر إضافي إلى رغبة طهران في حلحلة المشاكل مع واشنطن، أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، اليوم الاثنين، من إسنطبول التركية، في تغريدة عبر "تويتر"، عن استعداد بلاده لتبادل المزيد من السجناء مع الولايات المتحدة الأميركية، في تدبير يوحي بوجود إرادة إيرانية للتفاوض، ولو بشكل غير مباشر عبر سويسرا أو غيرها، والمهم لطهران هو النتيجة، خاصة إذا ما كانت قد حصلت بالفعل، في الصفقة الأخيرة، على نتائج أخرى غير إفراج واشنطن عن سليماني.
لكن كما قال ظريف في تغريدته، فإن "الكرة في ملعب أميركا"، إذ إن هذا الاستعداد الإيراني بانتظار تجاوب أميركي لتبادل إطلاق سراح المزيد من السجناء، فيما أعلنت سويسرا من طرفها أيضا عن استعدادها لاستمرار جهودها في المسار، إذ كشف المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، اليوم الاثنين، عن أن سويسرا أكدت أنها مستعدة لبذل جهودها "لإعادة جميع الإيرانيين المعتقلين زورا في أميركا"، نافياً أن تكون إيران قد أجرت مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية لإتمام صفقة التبادل الأخيرة، وهو نفي لمفاوضات مباشرة على ما يبدو، لأن الصفقة تمت بوساطة سويسرية.

إلا أن ربيعي أكد في الوقت نفسه، خلال مؤتمره الصحافي اليوم، أن بلاده مستعدة للحوار مع واشنطن في إطار مجموعة 1+5 لحل بقية القضايا والمشاكل، اذا ما ألغت هي عقوباتها، وهي الديباجة المعروفة التي طالما استخدمتها طهران خلال الشهور الأخيرة، رابطة أي انفراج في موضوع التفاوض برفع العقوبات.

وفي المحصلة، فإن ما ذكر آنفا من مؤشرات، وإن كانت توحي بأن تحركا ما يجري سرّا لخفض التوتر بين طهران وواشنطن، لا يزال بحاجة إلى خطوات عملية ملموسة، وإلا فلن تعدو كونها مجرد سحابة عابرة، تنتهي سريعا، لتحل محلها عواصف التصعيد والضغوط المضادة.

المساهمون