رسالة من الخليفة البغدادي

رسالة من الخليفة البغدادي

30 يونيو 2015
الصورة

أبو بكر البغدادي في الموصل (05 يوليو/2014/ الأناضول)

+ الخط -
لم تشهد أودية الأوراق أنهاراً من الحبر المسال كالتي شهدتها، وهي تتحدث وتكتب عن تنظيم الدولة الإسلامية داعش، التي باتت اليوم شغل الناس وهاجسها، وكلٌّ يرمي بأسهم أحرفه في اقتناص هدفه من هذا التنظيم، وكل يسعى إلى تجريب أفكاره وتحليلاته، في بيان أسباب ظهور هذه الجماعة المتطرفة، غير أن المشكلة الأكبر أن غالبية ما كتب ويكتب عن هذا التنظيم يبقى يدور في فلك التجريب، فيما يدور بعضهم الآخر في فلك تصفية الحساب مع كل الإسلام السياسي، بغض النظر إن كان مؤيداً لهذا التنظيم أو معارضاً.
أغرب التحليلات تلك التي ترجع تنظيم داعش إلى نظرية المؤامرة، وتطرح في هذا سيناريوهات عدة، كل تبع هواه وتبع ميوله وتبع إيديولوجياته، فالذي يكره تركيا، يرجع هذا التنظيم إلى المخابرات التركية ويقول إن داعش صنيعتها، ويضرب بذلك أمثلة عدة، في مقدمتها الدخول المستمر للمقاتلين الأجانب في صفوف هذا التنظيم، وأغلبهم يعبرون من تركيا.
ومن لديه مشكلة مع إيران ينسب التنظيم إلى مؤامرة إيرانية كبرى، تسعى إلى التغلغل في العالم العربي، من خلال وجود هذا التنظيم، فأينما وجد التنظيم وجد النفوذ الإيراني، وخصوصاً في الدول التي تتوسع فيها داعش، كالعراق وسورية، حيث قدم التنظيم مبررات لدخول مليشيات إيران إلى مناطق ما كانت تحلم بها سابقاً، مثل صلاح الدين والأنبار.
أما أصحاب شعارات الموت لأميركا، فلا يكفون عن اتهام واشنطن بإنشاء هذا الكيان المتطرف، والأدلة، من وجهة نظرهم جاهزة، فالطائرات الأميركية ترمي بالأسلحة الثقيلة والمعدات للتنظيم، ويؤكدون أنهم شاهدوا طائرات أميركية تقل قادة التنظيم من ساحات القتال في بيجي وتكريت وغيرها.
ولا ينفك أصحاب نظرية العداء للعرب عن اتهام دول الخليج العربية بإنشاء هذا الكيان ودعمه وتمويله، ويسوقون، في هذا المجال، أدلتهم، فالأموال التي تصل إلى التنظيم كبيرة وتمويله كبير، لا يقدر عليه سوى أصحاب المليارات في الخليج العربي.
وهكذا دواليك، يرحمك الله، كل يسعى إلى الجلوس على دكة الاحتياط، ويفسر ويبرر ما يجري، بطريقته التي تعفيه، إلى حد كبير، من عناء البحث والتحليل ومحاولة استشراف المستقبل، بناء على ما جرى ويجري في عالم عربي، بات اليوم يحرك الأحداث في عموم العالم الكبير.
لنعد قليلاً إلى الوراء، إلى الثورات العربية، التي انطلقت من تونس، ووصلت إلى بلدان عربية أخرى، تعال لنحاول سوياً إعادة ترتيب الصورة ومخرجاتها، فتخيل أن مصر الثورة ظلت تحت حكم الرئيس، محمد مرسي، وواصلت إنتاج ديمقراطيتها بأخطائها. واذهب إلى هناك، حيث ليبيا القريبة، يسقط القذافي مقتولاً، وتنتج البلاد تجربتها الديمقراطية الأولى ببرلمان منتخب بلا خليفة حفتر ولا قواته. وشاهد ماذا يمكن أن تكون سورية، الآن، بعد أربع سنوات على نجاح ثورتها وإطاحتها بالأسد، حتماً ستكون واحة عربية ديمقراطية غنية بغنى شعبها.

وإلى العراق القريب، حيث يستجيب رئيس الحكومة، نوري المالكي، لمطالب العرب السنة، يفرج عن معتقليهم الأبرياء، ويمنحهم حقوقهم في المشاركة السياسية والأمنية، ويعيد الاعتبار لكل مواطنيهم، بلا إقصاء أو تهميش، ويفتح الباب أمام أحزابهم وسياسييهم في المشاركة الفعالة في العمل السياسي.
وإلى اليمن، حيث يخرج علي عبد الله صالح بفعل الثورة الشبابية من قصره في صنعاء إلى السجن، ويحاكم وتصادر ثروته التي تجاوزت 60 مليار دولار، ويستعيد اليمن سعادته التي فقدها منذ جثم على صدره صالح، وتعال وانظر كيف هي اليمن اليوم بعد سنوات أربع من عمر ثورتها.
بعد ذلك، كيف ستنجح تركيا في زرع داعش بيننا، وكيف ستمتد يد إيران لتصل إلى مناطق في أرض العراق والشام، ما حلمت بها بإيجاد كيان متطرف، وكيف لأميركا أن تأتي بإرهابيين من سجونها التي تعذبهم بها، ليكونوا تنظيماً متطرفاً؟
واحدة من مشكلاتنا اليوم أن لا أحد يريد أن يصف الواقع بما فيه، لا أحد يريد أن يقول لكل أولئك الذين فوّتوا على العالم العربي فرصته الذهبية، يوم انطلقت ثوراته، إنكم أنتم من أنتجتم داعش، أنتم من دفع الشباب الذي نجح في إسقاط عتاة الحكام، للانضمام إلى داعش، أنتم من سحب البساط من تحت أقدامهم، يوم أن نجحوا هم في سحب البساط من تحت أنصار الفكر المتطرف.
يرسل إليكم أبو بكر البغدادي (الخليفة) من مقره في الموصل أو الرقة أو أينما كان رسالة يشكركم فيها على غبائكم منقطع النظير، فهو وجماعته سعداء جداً، لأنكم قابلتم تطرفه بمزيد من التطرف، ووحشيته في القتل بمزيد من حفلات الإعدام الجماعي بحق الأبرياء، وخصوصاً في العراق.
وتقول رسالة البغدادي لكم شكرا، لأن فيكم من التفاهة في التعاطي مع الأمور ما يمكن أن يمده يومياً بمئات المقاتلين الجدد.
داعش خطيئتنا جميعاً، خطيئة الأنظمة التي دعمت الثورات المضادة، ولم تر في العراق مشكلة بعد سنوات من التهميش والإقصاء التي مارسها المالكي وحزبه للسنة، ولا مجال للقضاء عليها، إلا بعد أن يجلس الجميع لمعالجة أسبابها، عندما ستنتهي تلقائيا.