ربيع إسرائيل العربي

26 يوليو 2016
الصورة

أنور عشقي خلال لقائه نواب كنيست 19يوليو 2016 (فيسبوك)

+ الخط -
باتت الإشارة إلى "الطفرة الإيجابية"، على صعيد العلاقة بين الكيان الصهيوني والعالم العربي، لازمةً يحرص رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، أخيراً على تكرارها والتباهي بها في معظم خطاباته وكلماته في المناسبات المختلفة. وعادةً ما يوظف تلك الإشارات في الجدل الإسرائيلي الداخلي؛ ضمن محاججته بأنه على الرغم من أن حكومته، بخطها الأيدولوجي والسياسي المتطرّف، ولا سيما على صعيد تواصل الاستيطان والتهويد ورفض قيام دولة فلسطينية، فإن إسرائيل ليس فقط لا تواجه عزلةً إقليمية، بل إن الشراكات الإستراتيجية مع دول عربية لا تقيم علاقاتٍ دبلوماسيةً مع تل أبيب تتوسع فقط. وعادة ما تترافق تصريحات نتنياهو مع تسريباتٍ كثيرة تزخر بها وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية حول مظاهر التعاون والتنسيق السري بين إسرائيل وقائمةٍ من دول عربية، لا تضم فقط مصر والأردن.

اللافت أن المسؤولين الصهاينة لم يعودوا يعزون الحرص العربي على تسخين العلاقات مع تل أبيب إلى متطلبات مواجهة المشروع النووي الإيراني، بل يكتفون بتحديد "مواجهة الإسلام المتطرف" قاسماً مشتركاً للطرفين، يسوّغ هذا التعاون. وكان نتنياهو واضحاً في كلمته في الاحتفال الذي نظم، أخيراً، بمناسبة تخريج دفعة جديدة من طلاب كلية الأمن القومي، حيث قال إن الدول العربية "اكتشفت الطاقة الكامنة في التعاون مع إسرائيل في مجال محاربة الإسلام المتطرف". ولا حاجة للتذكير بأن تحديد "الإسلام المتطرف" مسوّغاً للتعاون بين إسرائيل والدول العربية، يتفق مع الأولويات الصهيونية فقط. ففي وقتٍ ما زالت الدول العربية، التي تقول إسرائيل إنها تتعاون معها في الخفاء، تقرّ بأن إيران تشكل التهديد الرئيس عليها؛ فإن التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران والغرب أفضى إلى تراجع اهتمام إسرائيل بـ "الخطر" الإيراني. بالنسبة العرب الذين يتهافتون على إسرائيل، قد يكون التذرع بمواجهة الإسلام المتطرف مجرّد مبرّرٍ للولوج إلى مرحلةٍ جديدة، وأكثر صخباً مع الصهاينة.

ولا يمكن، هنا، إغفال دلالات زيارة مجموعةٍ من النخب السعودية، برئاسة اللواء المتقاعد أنور عشقي، إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، ولقائها نواباً صهاينة. ويثير السخرية أن عشقي برر لقاءاته مع هؤلاء بالقول إنها تهدف إلى إثارة جدل حول المبادرة العربية للسلام؛ مع أن نتنياهو كرّر، مراتٍ أخيراً، أن المبادرة المذكورة لا يمكن أن تكون أساساً للتفاوض مع الفلسطينيين! ولا يزال يتردّد، في الأصداء، تعهد نتنياهو، في الحملة الانتخابية، أن دولة فلسطينية لن ترى النور ما دام رئيساً للحكومة، في حين أن الوزراء والنواب الصهاينة يتبارون، فيما بينهم، على تقديم مشاريع القوانين الهادفة إلى "تشريع" حسم مصير الأرض الفلسطينية، فمنهم من يقدم مشاريع لضم مناطق "ج" التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، وآخرون يطالبون بضم التجمعات الاستيطانية الكبرى.
على من يدّعي أنه يتواصل مع الصهاينة، من أجل تحسين فرص التوافق على المبادرة العربية، أن يتصرّف على الأقل مثل الاتحاد الأوروبي الذي لا يتردّد في اتخاذ عقوبات، وإن كانت رمزية، ضد إسرائيل، بعد إقدامها على تدشين مشاريع استيطانية وتهويدية. ولا حاجة للتذكير بأن نتنياهو قرّر بعد أقل من 48 ساعة على زيارة عشقي بناء 770 وحدة سكنية في مستوطنات يهودية.

الملاحظ، أن الإذاعة الإسرائيلية، في وقتٍ ادعى بعضهم أن زيارة عشقي كانت مبادرة شخصية، نقلت، في 24 يوليو/ تموز الجاري، عن نواب كنيست، قولهم إن ترتيباتٍ تجرى حالياً لتنظيم زيارة برلمانيين صهاينة للرياض. وقبل أن يخطئ صناع القرار في بعض الدول العربية التقدير، فيستغلوا ضعف المجتمع المدني في بلدانهم، وغياب الصحافة الحرة، في الاندفاع في مسلسل التطبيع مع إسرائيل، عليهم أن يحذروا أنانية إسرائيل وانتقائيتها. فإسرائيل التي ترى في "الإسلام المتطرّف" مسوغاً لبناء شراكات مع الأنظمة العربية هي نفسها التي تتذرّع بهذا "الإسلام" للمس بمصالح هذه الأنظمة. فقد كانت تل أبيب تحديداً من أحبطت، أخيراً، صفقات بيع السلاح الأميركي النوعي لعدد من دول الخليج، وحالت حكومتها دون بيع طائراتٍ بدون طيار هجومية أميركية للأردن. والمفارقة أن تل أبيب تبرّر معارضتها حصول الدول العربية على سلاحٍ نوعي، بالقول إنها تخشى سقوط الأنظمة فيها، فيقع السلاح في أيدي "الإسلام المتطرف"!

من أسفٍ، بات تطوّع أنظمةٍ عربيةٍ لتقديم خدماتٍ مجانيةٍ بالغة الخطورة لإسرائيل من سمات مرحلة الثورة المضادة، فهل يعقل أن تصل الأمور إلى حد أن الوزير الأسبق، يوسي بيلين، يكشف أن زيارة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، لإسرائيل كانت جزءاً من "استنفار" للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من أجل منع صدور قرار في مجلس الأمن يقرّ بحق الفلسطينيين في دولةٍ مستقلة، بناء على تنسيق مسبق مع نتنياهو (صحيفة يسرائيل هيوم، 22-7). ويستهجن بيلين أن يطالب السيسي الفلسطينيين بالاكتفاء بقرار مجلس الأمن الدولي 242، مع أنه لا يذكر الفلسطينيين من قريب أو بعيد.

حملت الصورة التذكارية التي التقطت لأنور عشقي، ومضيفيه من النواب الصهاينة، دلالة خاصة، فابتسامة الجنرال عومر برليف العريضة (الثاني يساراً) لا تخفي ماضيه وطابع موقفه من العرب، فقد كان قائداً لفرقة الاغتيالات "سييرت متكال" التي تعمل في عمق العالم العربي، ويتباهى، حتى الآن، بأنه قتل عرباً كثيرين.
إنه، إذن، ربيع إسرائيل العربي الذي يزهر في عصر الثورات المضادة.
(كاتب فلسطيني)