رئاسيات تونس: عزوف الشباب والتوزيع المناطقي للأصوات مصدرا قلق

26 نوفمبر 2014
الصورة
انزلق جزء من الرأي العام إلى المناطقية(أمين بن عزيزة/الأناضول)
+ الخط -

تؤكد نسبة التصويت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية التي جرت يوم الأحد الماضي، أنّ التونسيين لم يتخلوا عن المسار الانتقالي على الرغم من الصعوبات التي لا تزال تواجهه، إذ تجاوزت نسبة المشاركة 64 في المائة. واقتربت بذلك من نسبة الانتخابات التشريعية التي بلغت 70 في المائة. وهي تعتبر نسبة معقولة مقارنةً بما يحصل في الدول الديمقراطية، وخصوصاً بعدما أظهرت نسبة التصويت أنّ نحو ثلاثة ملايين تونسي قرروا أن يعطوا أهمية للرهان الانتخابي، الذي ما يزال في مرحلة اختبار.

لكن في مقابل هذا المؤشر الإيجابي، يكمن مؤشران سلبيان. يتعلق الأول بأكثر من 600 ألف ناخب لم يتوجهوا هذه المرة إلى صناديق الاقتراع خلافاً لما حصل في الانتخابات التشريعية قبل شهر من الزمن. وإذا أضيف وجود مليون آخر من المسجلين سبق لهم أن غابوا من قبل، فإن ذلك يعني أن جزءاً حيوياً من التونسيين قد اختاروا العزوف عن المشاركة، ولم يدركوا بعد أهمية التحول الديمقراطي الحاصل في تونس.

المؤشر الآخر المخيف يتعلق بالنسبة المتدنية لمشاركة الشباب في الاقتراع. وهو ما يرسخ المخاوف من استمرار الفجوة بين النخب السياسية من جهة والشباب من جهة ثانية. على الرغم من كون الشباب هم الذين فجّروا الحدث الثوري، لكن خيبة الأمل التي أصيبوا بها بعد ذلك شككتهم في أهمية الديمقراطية وجدواها. ولم يقدّروا ثمن الحرية التي أصبحوا يتمتعون بها.

لا يعني ذلك أن الشباب هو الغائب الرئيسي في الانتخابات أو في العملية السياسية، فعدد واسع منهم يشاركون حالياً في الشأن العام، وتعتمد عليهم الأحزاب في هياكلها وسياساتها التعبوية وإن بقوا بعيدين عن سلطة القرار ومطابخ صناعة السياسات. كما أن جزءاً لافتاً منهم منغمس في نشاطات تعود إلى الجمعيات التي اتسعت رقعة عملها بعد الثورة. لكن النسبة الأكبر من هؤلاء الشباب لا تزال تتحرك خارج المجتمع السياسي، ولا تثق به أو برموزه.

كذلك يتبين من خلال المؤشرات الإحصائية المتفرقة التي وفّرتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن ولايات الجنوب التونسي قد مالت بشكل واضح للمرشح الرئاسي المنصف المرزوقي، الذي حاز على المرتبة الثانية في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، في حين انحازت منطقة الساحل وتونس الكبرى والجزء القبلي لزعيم حزب "نداء تونس" الباجي قائد السبسي، الذي حصد النسبة الأعلى من الأصوات في الجولة الأولى. ولقي حمة الهمامي نسبة وافرة من الأصوات في بعض ولايات الشمال الغربي. ويعتبر هذا العامل المناطقي مؤشراً لافتاً، ويُخشى أن يصبح مثيراً للمخاوف.

وعلى الرغم من أنه في كل انتخابات ديمقراطية يبرز التباين بين مناطق البلد الواحد، كما تكشف اتجاهات التصويت في تلك المناطق عن قدرة الأحزاب أو الشخصيات المتنافسة في استقطاب هذه المنطقة أو تلك، إلا أنّ ما يخشى منه أن يطل هذا العامل من جديد لكي يهدد الوحدة الوطنية ويعلي من شأن المحلي على حساب الوطني، في بلد عانى كثيراً من التمييز المناطقي الذي استند إليه النظام السابق منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة.

وباستثناء بعض الأخطاء التي ارتكبها عدد من المرشحين في محاولة منهم للاستعانة بالنعرة القبلية والمناطقية لجذب أصوات الناخبين، لكن التوزيع الجغرافي لعملية التصويت قد يؤشر إلى أن جزءاً من الرأي العام تأثر بشكل واع أو من دون وعي بالمناطقية، في مرحلة تحتاج فيها تونس أكثر من أي وقت مضى لتثبيت وحدتها الوطنية وترسيخها. وهو ما يجب أن يعمل من أجله كلا المرشحين اللذين انتقلا للجولة الثانية، أي السبسي والمرزوقي، لأن من سيفوز منهما في السباق سيصبح رئيساً لكل التونسيين من دون استثناء أو تمييز.

وينحدر المرزوقي من الجنوب التونسي وتحديداً من ولاية قبلي. وكان والده من أنصار صالح بن يوسف الذي اختلف مع بورقيبة فتم اغتياله، وتعرض الموالون له للملاحقة والتشريد. وهو ما جعل جزءاً من سكان الجنوب ينتقدون غالباً أهل الساحل خصوصاً، ويعتبرونهم استأثروا بالسلطة والثروة. وقد كان عدد واسع من "اليوسفيين" من أبناء الجنوب.

في المقابل كان السبسي يقف إلى جانب بورقيبة في هذه الفتنة التي اندلعت بعد الاستقلال مباشرة. ومن هنا وجه له خصومه السياسيون تهمة المشاركة في تعذيب اليوسفيين، وهي تهمة يحاول دائماً أن ينفيها. أي أن الصراع السياسي يتداخل مع الانتماء المناطقي، ويتخذ منه درعاً ليبرز من جديد في أشكال متعددة. وإذا لم يعالج في حينه، وبجرأة وعمق، فإنه قابل للتطور وضرب الجبهة الداخلية في العمق. وقد تساهم هذه العوامل الجغرافية والسياسية والتاريخية في تبرير التوزيع الجغرافي للأصوات، لكنها غير كافية للقول إن التنافس الانتخابي هو تنافس مناطقي بين الشمال والجنوب.

المساهمون