رؤية "2030" السعودية بين نظرتين

رؤية "2030" السعودية بين نظرتين

24 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
طرحت الرياض، قبل أسابيع، رؤيتها الاقتصادية والتنموية بعنوان "رؤية 2030"، وسعى العاملون على إطلاقها إلى بث روح تفاؤلية تجاه مستقبل المملكة، ورسم نظرة طموحةٍ وحالمةٍ لما ينتظر السعوديين، في حين خرجت جماعاتٌ أخرى، وطنيةٌ وعربيةُ بنظرة تشاؤمية، في تقييمها الوضع الحالي والمستقبلي للمملكة، بعد انهيار أسعار النفط، مُبشرين "بنهاية الدولة الريعية".
يركّز أنصار النظرة التشاؤمية على فكرةٍ جوهريةٍ، أن الأزمة الاقتصادية الحالية سوف تقضي على دولة الريع، وإن دول الخليج لن يعود بإمكانها شراء "ولاء المواطنين"، عن طريق توفير حالة رفاهية، لا يساهم أفراد المجتمع فيها بجهدٍ موازٍ لمداخيلهم، وأن هذه الدول محصورة بين خيارين: الإصلاح السياسي والاقتصادي بالتحول نحو نموذج ليبرالي (أو غيره)، المهم أن دولة ريع في طريقها، أو أن تستمر هذه الدول على هذا النموذج الاقتصادي، حتى تصل حد الإفلاس.
يستند هؤلاء المتشائمون على مجموعة من المعطيات، في تبنيهم نظرية "نهاية الدولة الريعية"، يركّز جزء ليس قليلاً منهم، على جزئية السلعة المباعة نفسها، فيُشيرون إلى أن سلعة النفط ناضبة، وأن كل برميل بترول يخرج من الأرض لا يمكن تعويضه، وأن هذه الدول تستخرج بشكل جنوني، وتصرف بلا حساب ولا كتاب، ولا تحسب حساب الأجيال القادمة. وعليه، لن يطول الوقت حتى تنتهي هذه السلعة، أو تباع بسعرٍ بخس. يستند آخرون على العامل الاجتماعي والسياسي في الضغط على الحكومات، بحكم أن شرعية الأنظمة في الخليج تُستمد من كونها أنظمةً توفر الرفاه والأمن للمواطنين، بحسب هذه القراءة، من دون أن تطلب منهم جهداً مقابلاً، وأن الأوضاع سوف تتغير بعد سحب بعض الامتيازات، ورفع الدعم عن بعض السلع والخدمات التي تقدّمها الحكومات مجاناً، حيث يراهن هؤلاء على تبدّل المزاج الشعبي، وهذا شيء وارد، لكن حجم ردة الفعل الشعبية وتمظهرها لا يمكن التنبؤ بهما، خصوصاً في ظل شبح الانهيارات الكبيرة التي حصلت في المشرق والمغرب العربيين.

تقف، في الضفة الأخرى، مجاميع كثيرة تراهن على أن الأزمة النفطية الحالية لن تستمر طويلاً، وأنه سبق لدول الخليج أن مرّت بأزماتٍ مشابهة، ولم يحدث شيء، وأن السقوط الحر لأسعار النفط كان مفتعلاً أصلاً، لتحقيق أهدافٍ سياسية، وأن دول الخليج، وخصوصاً المملكة، المنتج "المرجح"، بإمكانها التأثير على الأسعار متى شاءت. لكن، في الوقت نفسه، يعمل هذا الخط على إشاعة "تفاؤل ساذج" بمرحلة ازدهار مقبلة، وبتحولٍ منشود عن طريق نهج الخصخصة، والاعتماد على مداخيل الصندوق السيادي المُزعم تأسيسه، وتحفيز الحكومة على مزيدٍ من الإجراءات "الإصلاحية" على الطريقة النيولبرالية، بالتخلص من أعباء الخدمات الاجتماعية، مثل مجانية الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات التي تدعمها الحكومة، حيث يعتبر هؤلاء أن المواطن الخليجي "مُرفه" بشكل مبالغ فيه، وحان الوقت لكي يتحمل نتيجة كسله.
في ظني، إن التشخيص اللامتبصر، والمؤدلج حد العمى، لا يفيد القارئ أو المهتم بموضوعات التحول الوطني في هذه المرحلة، فنحن على أعتاب تحول كبير في المملكة، وأن الاعتقاد بقرب "نهاية الدولة الريعية" يساوي التصديق ب "نهاية اعتماد المملكة على النفط" بعد أربع أو خمس سنوات، ففي الحالتين ثمّة مبالغة هائلة في استشراف المستقبل الاقتصادي والسياسي.
يسيء أنصار النظرية الأولى تقدير حجم ثروات دول الخليج، وإمكاناتها المادية واحتياطاتها البترولية، فهذه الدول تملك إمكانيات مادية ضخمة، ولن يؤدي انهيار أسعار النفط إلى أفول الدولة الريعية قريباً، أو إلى كارثةٍ اقتصاديةٍ وإضراباتٍ اجتماعية، كما يعتقد بعض المتأثرين بالنصوص الكلاسيكية في تحليل التحولات الاجتماعية. أولاً، لأن لا أحد يستطيع تحديد متى وكيف تتحرك الكتل الاجتماعية المتضرّرة من السياسات الجديدة. ثانياً، ما زالت هذه الدول تعمل وتخطط على "تنويع مصادر الريع"، وهي تملك ثرواتٍ ماليةً كبيرة في الخارج والداخل، يمكنها الاستعانة بها وقت الحاجة، كما أن مصروفاتٍ كثيرة يمكن تحجيمها، من دون المس باحتياجات المواطنين، فالتبذير والفساد المالي يمكن لجمه، إذا حانت ساعة الخطر.
وبالنسبة لأنصار فكرة الفكاك من الاعتماد على النفط في المدى المنظور، معتمدين مصادر دخل لا علاقة لها بالانتقال نحو نموذج اقتصاد إنتاجي، فهم كمن "يبيع الوهم على الذات"، لأن الانتقال من الاعتماد على البترول إلى الاعتماد على الأسهم العالمية من أجل الحصول على دخلٍ جديد، لا يُسمى تنويعاً في مصادر الدخل، بل تنويعاً لمصادر الريع، كما أن تسييل الأصول وتحويلها إلى الخارج لا يضيف للاقتصاد الوطني الكثير، بل على العكس، الريع المعتمد على النفط أفضل اقتصادياً واجتماعياً بكثير من الاعتماد على الأسهم؛ لأن الاعتماد على النفط أقل خطورة وأكثر أمناً، ولأن صناعة النفط تعطي المملكة قوة سياسية، كما توفر فرصاً استثمارية كثيرة مرتبطة بهذا المنتج، بشكل مباشر وغير مباشر، فتخلق بذلك مزيداً من الفرص الوظيفية والتجارية للمواطنين.
يحتاج تحليل المرحلة "رؤية 2030" التي طرحتها السعودية قراءة متأنيةً بعقل بارد، حتى نستطيع استيعاب وفهم انعكاسها على مستقبل المملكة. لكن، من دون المبالغة في رسم سيناريوهات خيالية، لا تمت للواقع بصلة.