ديمومة القضايا

01 اغسطس 2020
الصورة

ما الذي يجعل أي قضية حيّة ومستمرّة؟ تطوير أساليب جذب الأنصار إليها. لم تعد أيديولوجية القضايا كافية لجذب الناس، فالتحوّلات المتناسلة التي دفعت قضايا عديدة إلى الجماد، قتلتها. لا يُمكن، مثلاً، صناعة تلفزيونات في عصرنا الحالي بمعدّات ثلاثينيات القرن الماضي، ويستحيل صناعة هواتف جديدة بمعدات تسعينيات القرن الماضي. القضايا هكذا والأفكار هكذا. أساساً هذا هو جوهر الصراع الأبدي بين الآباء والأبناء، فكيف بالقضايا، مهما كانت محقة؟

حاول أصحاب الأيديولوجيات، الدينية والسياسية استخدام الإنترنت لكسب أتباع جدد، إلا أن الإنترنت نفسه أفسح المجال لمحاربة آخرين لهم، ناقلاً الصراع من الميادين التقليدية إلى مواقع إلكترونية، ثم إلى وسائل تواصل اجتماعي. وكما كان هناك في السابق من يقفز بين الجماهير لينادي بتأييد شخصٍ ما، من دون اعتبارات ومبادئ، بل استناداً إلى غريزة ما أو غسل دماغ، هناك في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم جيوشٌ إلكترونية تقوم بالعمل نفسه. طبعاً، لن ينتهي هذا النوع من السلوكيات في وقتٍ قريبٍ، فالبشرية لا تزال "في طور النمو والتشكّل"، نسبة إلى عمرها المديد. يكفي متابعة أمرين، من أمور كثيرة: انتشار مصانع الأسلحة وكثافتها في العالم، والتمييز بين البشر على أسس دينية وقومية وعرقية. تحتاج البشرية إلى الكثير بعد، لكنها الآن في مرحلةٍ سريعةٍ ومكثفةٍ من التحولات، المفترض أن تؤدي إلى دفع نموّها قدماً.

الأبرز في تحوّلات السنوات الثلاثين الأخيرة أن القضايا تشعّبت بشكل هائل، وبدلاً من المسائل القومية والدينية والسياسية، ارتقت القضايا الاجتماعية سريعاً في سلّم الأولويات، فالتمييز العنصري تجاه الأميركيين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة، وصعود النازية في ألمانيا، واليمين المتطرّف في أوروبا عموماً، واضطهاد اللاجئين في كل العالم، والاهتمام بالبيئة والتأثيرات المناخية، وصولاً إلى التعاطف مع طفلة صغيرة أضاعت كلبها مثلاً في بلدٍ ما، كلها أمور جعلت حتى القضايا الثانوية أساسية في هذا العصر. من كان ليتوقع، خلال الكساد الكبير في الولايات المتحدة عام 1929، أن تناقش واشنطن مسألة الحقوق المدنية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته؟ هل كان الجنود السوفييت الذين شاركوا في قمع انتفاضة المجر (1956) وربيع براغ في تشيكوسلوفاكيا السابقة (1968) ليتوقعوا سقوط منظومتهم بالكامل مطلع التسعينيات؟ مؤكدٌ أنهم لم يفكروا بذلك أصلاً، وهم ليسوا مخطئين في تفكيرهم، بناء على ما قُدّم إليهم وما درسوه في المعلومات الموجّهة التي حصلوا عليها.

ربما قد يعني هذا أن البشرية "تمرّ بمرحلة انتقالية"، غير أنه، وفق مبادئ التطور الإنساني والاجتماعي، كل شيء "يمرّ بمرحلة انتقالية"، وأن هذه المرحلة ليست انتقالية عملياً ومحدّدة بزمن ما، بل دائمة، وأشبه بقطارٍ يتحرّك. المرحلة الانتقالية تطوير ذاتي لكل فرد واستطراداً المجتمعات. ويمكن أن يتخذ هذا التطوير مسارات سلبية استثنائية، ويمكن أن يكون إيجابياً، ويمكن أن يتعرّض لهزاتٍ كبيرة، قبل أن يستقيم مجدّداً. لذلك، تكمن قوة القضايا، في كل مرحلة من التطوير البشري، على البحث عن نقاط الضعف أو ما يُمكن اعتباره "غير صحيح"، لتصحيحه، مهما كلّف الأمر. ولا يعني عدم نجاحها في المرحلة الأولى "سقوطاً أبدياً"، بل على العكس، الثورات، مثلاً، تصل إلى مبتغاها دائماً، سواء خلال 24 ساعة أو مائة سنة، لكنها تصل، ومحظوظ من يبقى حياً للمقارنة بين عشية اندلاعها ولحظة تحقيق أهدافها. 

حالياً، القضية الأساسية في العالم هي فيروس كورونا، وهي يُفترض أن تشرّع الأبواب، في وقتٍ ما، ليس بالضرورة حتى في السنوات العشر المقبلة، على معالجة المنظومة الطبية في العالم وتصحيحها. وهو أمر حتمي، قياساً على تجارب سابقة. وحين تحضر المقارنة في وقتها مع العام الحالي، ستكتشف البشرية أنها تطوّرت كثيراً.