دول 1984... الرياض وأخواتها

03 أكتوبر 2019
الصورة
أنتج عصر الأسد الأب مجتمع الرقابة الذاتية (Getty)

أشاع حاكم سورية السابق حافظ الأسد، وببراعة مرعبة، دولة أورويليّة (نسبة لما حدده جورج أورويل كأداة لتدمير رفاهة العيش في المجتمعات الحرة والمفتوحة). فمن حوران إلى دمشق وتدمر، لا بد أن رجل المخابرات "يعرف ما تناولته الأسر السورية على العشاء". صدّق بعض من جيل عصر الأسد الأب ما أشيع، ما أنتج مجتمع التلصص والوشاية و"التقارير" والرقابة الذاتية. لم ينته عصر "التصفيق الحار"، على الطريقة الكورية الشمالية، ولا "بالروح بالدم نفديك"، بموت الديكتاتور، فهو "القائد الخالد" الحاكم من قبره، والناس تسير تحت أصنامه.

في الخليج كان البعض يتهكم على ديكتاتورية الأسد، ولكن في العام 2019 العربي ثمة ما لا يمكن أن يكون أوضح في تشابه وترابط منطقي بين الفساد والاستبداد. فقبل يومين من الذكرى السنوية لتقطيع جثمان الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، كنا أمام مشهد تراجيدي يستهدف عقول مواطني 1984 لجورج أورويل، عن مستوى "تقنيات" السعودية، المستوردة من الحلفاء الغربيين والإسرائيليين، وسرعتها الهائلة في محاصرة أنفاس ومشاعر المغردين، والوصول إليهم "بمراقبة لحظية"، بل و"معرفة جنس المغرد". ليس سراً أن الأمر لا يختلف كثيراً عند أتباع وحلفاء الرياض، لا في تطابق الفساد والاستبداد، ولا في جعل "الوطنية" المرعوبة إحدى أهم سمات حكم مواطني جمهوريات وممالك وإمارات 1984. فللنخب دورها الشعبوي الدعائي لاعتبار كل اعتراض على حكم الطغمة "خيانة وتآمراً".

يصعب أن تجد فوارق كبيرة بين مهام وزارات الاستبداد العربية، بما فيها "السعادة" و"الأسرة"، و"تطهير الأدمغة من شوائب الحريات"، مذكرة الغرب، المورد لتقنيات القمع، بأن تتركها وشأنها لصناعة المواطن القطيع، وإلا فالبديل "الإسلام السياسي". فديكتاتور دونالد ترامب المفضّل في القاهرة، مثلاً، لم يخف يوماً قراءته لـ"تمايز ثقافي"، يجعل العربي منمطاً، لا تليق به الحرية والديمقراطية، ولا يصلح معه سوى الدوس في بطنه، ومزيد من قهره والتنمر عليه وتشييد السجون والمعتقلات له. وهل يختلف الآخرون عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؟

يتحدث الواقع بلغة السحل والإخفاء وسحق العظام وتشريد الباقين، ليصير السؤال عن نهب الثروات ونشر الفساد وغياب الحريات والديمقراطية من أعمال "الخيانة والتآمر"، وعن استشراء الفقر والجهل "كفراً بقضاء الله وقدره". ووسط كل ذلك، لا مشكلة أن تنحدر الأذواق والفنون، وشيوع الاغتراب في الأوطان، بانتظار كفن، يدّخر المسحوقون ثمنه. إن التفتّ يميناً ويساراً، شمالاً وجنوباً، فلن تكتشف سوى تركيز الاستبداد العربي على حماية قوالب النمطية وإسناد أحجار الدومينو لبعضها، على الرغم مما يظهر على السطح من تناقض زائف بينها، حتى لا تتداعى، ولو إلى حين. نحن جميعاً إزاء التزام حرفي بنهج الأخ الكبير عند "أشقاء" أنظمة 1984.