دور النشر العربية ورمزية الكتاب

16 مارس 2020
الصورة

(Getty)

+ الخط -
في ظلّ تقهقر قيمي تعيشه بعض دور نشر الكتاب العربية، تظهر على السطح ظواهر ثقافية مسيئة، تتمثل بإغراق المعارض بالكتب الرّديئة، وانتشار دور نشرٍ تغيب عنها الضوابط التقييمية لاختيار محتويات الكتب التي تَنشر. بل يبدو أن دَور هذه الدُّور أصبح يقتصر على جمع أكبر كميةٍ من الكتب، ودفعها إلى المعارض الموسمية، ما يضع الكتاب في أزمةٍ موضوعيةٍ حقيقية، بعدما تخلّت المؤسسات الموكل إليها كل ما يتعلق بتلقي الكتاب عن رسالتها الحقيقية في تقديم الجيّد من المعرفة، لتقصُر نشاطها في البحث عن أقرب السبل لمراكمة الأرباح.
بعدما كانت تتولّى صناعةَ الكتاب دُورٌ حقيقية تعي جيداً الرّسالة الحضارية الموكلة إليها، صارت بعض دُور النشر (وما أكثرها!) تطبع أيَّ مخطوط كتابٍ يُقترَح عليها، من دون الدفع به إلى أية "لجنة قراءة"، من أجل تقييمه وتدقيقه وتحقيقه، في تهافُت يفضح سعي هذه الدور إلى الربح المادي بالدرجة الأولى، إذ تضع نصب عينيها المبلغَ المقدّم لها مقابل "خدمة" النشر، مضحّية بسمعتها ودورها التوعوي والحضاري في الإعلاء من شأن الكلمة، منحدرةً بذلك نحو البيع التجاري الاستهلاكي العام.
ولعلّه لم يعد خافياً على المهتمّين بالشأن الثقافي أن أغلب دور النشر، خصوصاً الجديدة، تخلّت عن المعايير الأخلاقية والمهنية التي أُنشئت لأجلها، فصار أغلب أصحاب دور النشر اليوم "تجّاراً" ما لم يتعدّوا ذلك إلى مستويات أكثر انحداراً! وبدل كتابٍ أنيق، شكلاً ومحتوىً، كما كان تلقّي الكتاب في العادة، أضحتْ بعض الدّور تطبع كتباً ترشح من معظمها أمارات تفاهة وابتذال تُثبت أن ناشريها لا يهمّهم نوع الكتاب، ولا المادة التي يقدّم، بقدْر ما يهمّهم قبضُ المقابل من الكاتب.
في الضّفة الأخرى، حيث حظي الكتاب دوماً ولا يزال بالمنزلة التي يستحقّ، نتذكّر الدور المهمّ الذي أدّته دار غاليمار على سبيل المثال، عبر سلسلتها "لابلياد" التي كان لها الفضل في إبراز أعلام حقيقية في الفكر والعلم والأدب، خلّفت للإنسانية إبداعاتٍ عميقةً وراقيةً ومجدّدة، مثل مالارميه، ورامبو، وبروست... وغيرهم. وحتى عربياً، كانت ثمّةَ دورُ نشر أدّت دوراً نوعياً رائداً في تاريخنا منذ عصر النهضة، مثل دار العودة، ودار الهلال، ثم دار الآداب، وتوبقال، والمركز الثقافي العربي، وغيرها من دور نشر تضع ضوابط شكلية وموضوعية لنشر كتبها، فيكون النشر فيها بمثابة جائزة كبيرة يتلقاها الكاتب.
لكنّ هذا لا ينفي أن دُور نشر عربية عديدة (النسبة الغالبة) تتساوى عندها "بضائع البيع"، فيصير الكتاب، في عرفها، في سلّة واحدة مع الخضر والفواكه والملابس. ويمكن أن نضيف إلى اللائحة ما نشاء من سلع السوق الموجَّهة للاستهلاك اليومي. مثل هذه الدُّور لا شيء يربطها بالكتاب سوى جانب الربح، كما هو الحال في سوق البيع بكل أشكاله وأنواعه. وعلى هذا الأساس، تشهد قيم العلم والبحث والأدب، وفق هذه النظرة، كساداً وخيماً يؤشّر على ورطة وأزمة حقيقيتين.
ولأن معظم المؤسسات الوسيطة للتلقي، التي لا بد منها لبروز أي كتاب، يعاني من هذا الانحدار الحضاري، بمعناه القيمي، لمصلحة الصعود المادي بمعناه التجاري، فقد نزلت بالكتاب إلى أسفل الدرك؛ وإلا فما معنى أن يكون شرط الناشر الأول "كم تدفع؟" قبل السؤال عن محتوى المطبوع ومدى جدّيته وتجديده وعمقه وآثاره. وهي الأسئلة الطبيعية التي يُفترَض أن يطرحها ناشر الكتب. والأنكى من ذلك أنّ الكاتب، إذا تأخر عن الدفع، يطارده الناشر بتهمة الإخلال بعهوده، بل قد يقود حملة تشهير ضدّه، فيما سينزّه (الناشرُ) نفسه بعد ذلك عن أي محاولة للتواصل مع الكاتب، ولو سبق له أن طبع له طبعات سابقة. ولا غرابة، في هذه الأجواء "العجيبة" من التردّي، أن يطالبه حتى بدفع مقابل الطبعة الثانية!
يقول المتنبّي في بيت من إحدى أخلد قصائده: أعزّ مكان في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ/ وخيرُ جليسٍ في الزّمانِ كِتابُ. تُرى، هل ثمّة مؤشّراتٌ، في ظل "الحالة" التي صار فيها النّشر في أزمنتنا المتردية هذه، على أن الكتاب سيظلّ خيرَ جليس؟ أشكّ في ذلك، وأتمنّى.

دلالات

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي