دروب شائكة كثيرة التعرّجات

20 يوليو 2020
الصورة

(لؤي كيالي)

قالت المرأة الغاضبة التي تضربها نوبة كآبة حادّة، وتهتز روحها هلعاً، ويصيبها الوهن، ويتمكّن اليأس منها كلما سمعت خبر رحيل أحد المعارف: لا شيء جديداً في الأمر. المأساة ذاتها تتكرّر، بالتفاصيل القاسية ذاتها، مثل الطرفة السمجة عن رجل أحمق تعرض للصفع مئة صفعة متتالية على نحو مفاجئ. في واقع الأمر، نحن لا نختلف كثيراً عن بطل الطرفة هذا، لأننا نظل معرّضين للصدمة وهول المفاجأة، على الرغم من توالي الضربات وسهولة توقعها، غير أننا كائنات غبية خرقاء، مبتلاة بالوعي والإدراك. ومع ذلك، لا نتعلم حرفاً من أبجديات الحياة الغاشمة. يتعمد لاوعينا الماكر الخبيث تجاهلها، والتنكّر لها، باعتبارها احتمالات مستبعدة التحقق. واذا حدث وتحققت، فإنها إنما تحدث لسوانا. وفي عزّ انهماكنا البائس، المثير للرثاء، بشؤون الدنيا وتفاصيلها الصغيرة التافهة. وفي غمرة الانخراط بوهم البقاء المخاتل الذي يزيّن لنا إقامتنا على وجه هذه البسيطة، غير قابل للزوال في المدى المنظور، فنقنع أنفسنا بأن في العمر متسعاً للحب والفرح والأمل والحلم والقدرة على ارتكاب مزيد من الحماقات وتداركها فيما بعد، يطل الموت رافعاً في وجهنا إشارة قف! ممنوعٌ التقدّم خطوة أخرى، آن أوان الرحيل.
هكذا بكل بساطة، وبضربة واحدة، يتلاشى كل شيء. يخفت الضجيج، ويتوقف النبض في العروق، يطوينا الغياب، يتسابق الجميع لرثائنا بأكثر العبارات حزناً، تتصدر صورنا مبتسمين صفحات الفضاء الأزرق، ثم سرعان ما نصبح نسياً منسيّاً، "نُنسى كأننا لم نكن". أي عبث؟ أي قسوة هذه؟ أي عقد إذعان مجحف تقترحه علينا الحياة! ولماذا نتشبث بها، بعد ذلك كله؟ نعد الخطط غير القابلة للتنفيذ في قادم الأيام، نحلم، نتصارع على مكتسبات صغيرة، ونستنفد طاقتنا في خصوماتٍ لا طائل منها، نتوهم القوة والقدرة على إحداث اختلافٍ في شكل الحياة، فنستمر في لعبة التحايل المكشوفة مفضوحة الشروط والمحسومة نتيجتها ضدنا في جميع الأحوال. وعلى الرغم من ذلك، نواصل، ونحن نعرف أننا الطرف الضعيف في المعادلة، نتحدّى الموت في عمق فكرته، ونصدّق أنه قابلٌ للهزيمة أمام إرادة الحياة، وأمام قدرة الإنسان على الإبداع. 
هكذا أوهمنا الفلاسفة والشعراء على مرّ الزمن. قالوا لنا إن الخلود يكمن في الفنون وفي الابتكار والإنجاز، ثم رحلوا جميعاً، مخلّفين بضع صفحات كفيلة بتضليل أجيال قادمة، وإيقاعها من جديد في شرك الأمل المرهق الذي سرعان ما يتهاوى صريعاً أمام حقائق الحياة غير القابلة للتفاوض، ما يجبرنا على التسليم في نهاية الأمر. نلوذ بالنسيان، نهرب من الذكريات التي جمعتنا بالراحلين. يصدّق أصحاب اليقين منا أنهم في مكان أكثر رأفة، يتحمّسون لفكرة الفرصة الثانية من باب العزاء، ورفض العدم مصيراً غير مقبول ضمن مداركنا المبرمجة على غريزة البقاء، أن عقدة البشر تكمن في تخليهم عن الواقعية والشجاعة التي تؤدّي إلى تسمية الأشياء بمسمياتها من دون مواربة ومحاولات تجميل فاشلة. 
الموت نتيجة حتمية للحياة، والحياة سبب رئيسي للموت، ولن تحقّق الإنسانية مرحلة السعادة إلا بالتصالح مع هذا المبدأ الواضح البسيط. وحين يقول لك أحدهم: "دع القلق وابدأ الحياة"، إياك أن تصدّقه، لأنك، بتخليك عن قلق الوجود، تتخلّى عن جوهرك الإنساني القائم على القلق والشك والريبة، والسعي إلى الحرية، وهي دوافع أساسية في درب المعرفة والابتكار. ويمكننا تجربة القول، عوضاً عن تلك الكليشيه "الممجوجة"، تمسّك بالقلق وابدأ الحياة، بمواجهة حقائقها بشجاعة وعقلانية وحب وامتنان وعقل متفتح وتسامح وموضوعية تسمح لك بقبول الآخر المختلف وإقرار حقه في الشك والتأمل. ولنعش الحياة طلقاء متخففين، ما أمكن، بذهنية مسافر ذكي، يحمل أقل القليل من الأمتعة، غير راغب في تكديس ما لا يلزم لعبوره السريع الخاطف في دروبها الشائكة كثيرة التعرّجات.