خيوط علاقة حفتر وبن ميناشي الإسرائيلي وصفقة تقسيم ليبيا

طرابلس
عبد الله الشريف
27 ابريل 2017
يتكرر اسمُ رجل الاستخبارات الإسرائيلي السابق، وصاحب شركة "للتأثير على السياسات الخارجية" في كندا، آري بن ميناشي، مجدداً على الإعلام، بالتزامن مع الكشف عن خطة أميركية مطروحة لتقسيم ليبيا على ثلاث مناطق، وهو ما أضاف أسئلة جديدة حول القائمين على المشروع المطروح من الإدارة الأميركية، وحول دور علاقة الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر بشخصيات وسياسيين إسرائيليين. 

تبين المعلومات المتداولة أن هناك علاقة قديمة بين الخبير الإسرائيلي، وبين المجموعات الانفصالية في ليبيا، توجت بتوقيع عقود بملايين الدولارات من أجل دعم مساعي الانفصال وإضفاء شرعية دولية عليها.

وفي حين يبقى الغموض محيطاً بشخصية خليفة حفتر، وصلاته بدول ومنظمات وشخصيات حول العالم، خاصة أن وسائل إعلام محلية ودولية تحدثت عن صلاته الوثيقة بعديد المنظمات والشخصيات الجدلية منذ لجوئه إلى الولايات المتحدة الأميركية وإقامته فيها لمدة عشرين عاماً، وبالإضافة لحديث عن علاقته بشركة بلاك ووتر (سابقاً) الأمنية، تناقلت وسائل إعلام وثائق تثبت تعاقده مع شركة "سترايت غروب" الكندية، لشراء أسلحة وصلت فيما بعد إلى قوات بالزنتان عن طريق الإمارات. وأشارت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية مؤخراً إلى علاقته بــ"عميل مخابراتي إسرائيلي مقيم في كندا يدعى آري بن ميناشي".

بن ميناشي وانفصاليو ليبيا

من غير المعروف إن كان بن ميناشي تعرّف على قادة ليبيا من خلال حفتر أم لا، لكن المؤكد أن علاقته بليبيا ليست جديدة، ففي أعوام 2013 و2014 كان بن ميناشي على صلة بدعاة المطلب الفيدرالي شرق البلاد، وزار بنغازي في سبتمبر/أيلول من عام 2013 للقاء زعامات التيار الفيدرالي ومنهم الزبير السنوسي، قائد التيار آنذاك، قبل أن يتبلور الحراك الفيدرالي ويصبح جسماً سياسياً أعلن عنه نهاية أكتوبر/تشرين الأول من ذات العام تحت اسم "المكتب السياسي لإقليم برقة". وهنا تركزت علاقة بن ميناشي برئيس المكتب إبراهيم الجضران الذي تحدثت صحف غربية عن توقيع عقد بينهما بقيمة 2 مليون دولار، لإقناع دول كبرى بالاعتراف بحق برقة في الحكم الذاتي.

انتهت مسيرة بن ميناشي المرتبط بعلاقات مع شخصيات سياسية كبيرة حول العالم، بامتلاكه شركة استشارات في مونتريال الكندية باسم Notorious Canadian lobbyist  للترويج لسياسات دول العالم الثالث لدى الدول الكبرى، كوكيل مفاوض عنها.

وبحسب أحد الشخصيات التي استقالت من الحزب الديمقراطي الفيدرالي الليبي، فإن بن ميناشي تحصل على جزء من أموال العقد المقدر بــ"2 مليون دولار"، لكنه لم يكمل مهمته ولم ير المكتب السياسي لبرقة أي نتائج ملموسة، سيما بعد تورط المكتب في حادثة سفينة "مورننق غوري" التابعة لشركة كورية، والتي جاءت بوساطة بن ميناشي لتوريد شحنة نفط من ميناء السدرة في مارس/آذار 2014، قبل أن تتمكن سلطات حكومة المؤتمر الوطني بطرابلس من التفاهم مع المجتمع الدولي لإجبارها على الرسو في أحد موانئ طرابلس بعد وصولها المياه الإقليمية لمالطا.

غير أن الجضران نفى في أحد لقاءاته الصحافية توقيع عقد، تعليقاً على حديث صحافي لبن ميناشي، أكد فيه أنه يمتلك عقداً بمليوني دولار مع أنصار الفيدرالية المرتبطين بمن أوقفوا العمل في الموانىء النفطية، مضيفاً أن زبائنه "لا يريدون تقسيم البلد لكنهم يسعون فقط للتفاوض حول اتفاق لتقاسم العائدات النفطية بين طرابلس وشرق البلاد".

وفي الفترة ذاتها، تناقلت وسائل إعلام أميركية وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية على موقعها الإلكتروني، تثبت علاقة حكومة برقة بشركة كندية مقرها مونتريال وعقد مبرم معها بقيمة 2 مليون دولار لدعم قضية استقلال برقة، وحشد الاعتراف بها خاصة لدى الولايات المتحدة وروسيا.

ويبدو أن هذه العلاقة استمرت، إذ أظهر تقرير نشرته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، الإثنين الماضي، أن بن ميناشي لا يزال على اتصال بشرق البلاد وبالتحديد مع زعيم جناحها العسكري حفتر، من خلال عقد بقيمة 6 ملايين دولار للضغط نيابة عنه وعن البرلمان على الإدارة الأميركية وحكومات مختلفة في العالم، من أجل تغيير سياساتهم إزاء ليبيا بما يخدم مصالح حفتر والبرلمان.

ورغم علاقة حفتر الوطيدة بالولايات المتحدة التي عاش فيها سنوات، إلا أن تغير إداراتها وربما تفضيله التواصل مع موسكو للوصول إلى أهدافه العسكرية في ليبيا، أضعف من هذه العلاقة، مما دعاه إلى الاستعانة بشخصيات مثل بن ميناشي.

وبحسب مقربين من حفتر، فإن وكلاءه ومنهم نواب من أنصاره في البرلمان، التقوا بن ميناشي في القاهرة بعد أن رفضت الأردن أن تكون عمّان مكاناً للقاء، بسبب ارتباط الخبير الإسرائيلي بعلاقات استخباراتية مع ضابط أردني سابق مطلوب لديها.



وأفصحت المصادر في حديث خاص لــ"العربي الجديد"، أن حفتر لا يعول كثيراً على بن ميناشي، وأن الأموال التي قُدّمت للأخير لم تكن بموافقة مباشرة منه، وإنما باقتراحات من قبل أنصاره في شرق البلاد. لكنه في الوقت نفسه لم يرفض هذه الاتصالات والتعاقدات، مشيرة إلى أن "حفتر رجل ذكي لا يمكن أن يتورط بشكل مباشر وشخصي مع علاقات مشبوهة كهذه".

لكن إن كانت المصالح والصفقات قد جمعت بين بن ميناشي وحفتر، ما الذي يجمع الأخير بإسرائيل؟ وهل لها دور في خطط تقسيم ليبيا المطروحة؟

حفتر وإسرائيل

في خضم الصفقات بين حفتر وبن ميناشي، تبرز علاقة الأوّل مع إسرائيل. في لقاء أجرته صحيفة "كوريرا لايلا سيرا" الإيطالية معه في 30 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014، أعلن حفتر عن رغبته في "التعاون مع إسرائيل وتلقي الدعم بمختلف صوره منها"، وقال مجيباً عن سؤال حول استعداده لتلقي الدعم من إسرائيل: "ولم لا، فعدو عدوي هو صديقي".

وفي أحد التسريبات التي نشرها موقع "ديبكا" الإسرائيلي، يظهر أن حفتر التقى في مارس/آذار 2015 في العاصمة الأردنية، عمّان، بممثلين عن الجيش والاستخبارات الإسرائيلية، كما نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تقريراً مطولاً عن أعمال حفتر في ليبيا في ذات التاريخ، عنونته بــ"سيسي ليبيا" مشيرة فيه إلى أنه "سيلتقي مسوؤلين إسرائيليين في عمان".

وهل بن ميناشي مرتبط بإسرائيل ومشاريعها في المنطقة؟

علاقة بن ميناشي مع الحكومة الإسرائيلية

في البحث عن هذه الشخصية الإسرائيلية، يتبين أنّ الرجل يهودي عراقي، مولود في طهران عام 1952، وموظف سابق في الحكومة الإسرائيلية. وظهر لأول مرة في وسائل الإعلام في عام 1989، عندما اعتُقل في الولايات المتحدة واتهم بمحاولة بيع ثلاث طائرات عسكرية إلى إيران، في انتهاك للقانون الأميركي لمراقبة تصدير الأسلحة. وقضى ما يقرب من عام في السجن في نيويورك. وتمت تبرئته في المحاكمة حيث قبلت هيئة محلفين دفاعه، الذي استند إلى أنه كان يتصرف بناءً على أوامر من رؤسائه في إسرائيل. ثم تغيرت حياته، وأصبح لغزاً.



كتب بن ميناشي مذكراته تحت عنوان "أرباح الحرب"، وادعى أنه قد شهد اجتماعات مهمة، منها على سبيل المثال اجتماع عام 1980 في باريس بين قادة الحزب الجمهوري الأميركي، بمن فيهم جورج بوش، ومسؤولين حكوميين ثوريين إيرانيين، بخصوص رهائن أميركيين مختطفين.

يقول بن ميناشي إنه واصل السفر حول العالم ممثلاً إسرائيل، كضابط للاستخبارات العسكرية ومن ثم كمستشار استخباراتي خاص لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير. وبحلول الوقت الذي نشرت فيه مذكراته، في عام 1992، لم تعد إسرائيل لديها أية علاقة به، كما أنه ليس مع إسرائيل، على حدّ قوله. "لم يكن لدي أي بلد"، كتب في مذكراته، "أنا مواطن من العالم، أو مواطن لا مكان له".

لكنه يقرّ بعمله لصالح الحكومة الإسرائيلية. ويعلل ذلك الآن بأنه "كان انحرافاً. لقد حدث أن يكون الرجل المناسب في الوقت المناسب. لقد تحدثتُ الفارسية والعربية والإنكليزية. كنت أعرف الولايات المتحدة. وبينما اعتقدت بصراحة أني أثق بإسرائيل في ذلك الوقت، فقدت في النهاية الثقة".

وخلافاً للاعتقاد السائد، لم يدع قط أنه عمل لدى "الموساد"، وهو جهاز المخابرات الإسرائيلي، كما يصر. "كنت ضابط المخابرات العسكرية العليا لفترة. ثم كنت مستشاراً للاستخبارات الخارجية للرئيس شامير لمدة عامين. وكان العمل المتعلق بالأمن. كل شيء في الكتاب". 

في عام 2002، كان بن ميناشي مرة أخرى في دائرة الضوء الدولي، بعد أن عمل كعميل لـ مورغان تسفانجيراي، المنافس السياسي الرئيسي للديكتاتور في زيمبابوي روبرت موغابي. قام بن ميناشي بتسجيلات فيديو وتسجيلات صوتية يفترض أنها كشفت عن تسفانجيراي الذي يخطط لاغتيال الرئيس موغابي. ثم سلم التسجيلات للأخير، وهو صديق وحليف منذ زمن طويل. ووقع بن ميناشي وموغابي على الفور صفقة استشارية خاصة بهما تبلغ قيمتها أكثر من مليون دولار. واتهم تسفانجيراي بالخيانة وذهب إلى المحاكمة في هراري. وأصبح  بن ميناشي شاهداً لدى النائب العام.

وقد صدر حكم في عام 2004 ببراءة تسفانجيراي. وفي قراره، وصف قاضي المحاكمة سلوك بن ميناشي في قاعة المحكمة بأنه كان "وقحاً جداً... أدلى بملاحظات لا مبرر لها، واستمر في إظهار سلوك مزيف حتى بعد أن حذرت المحكمة من ذلك".

ويقول بن ميناشي إنه ليس نادماً. وقال "إن تسفانجيراي هو الذي اقترب منا. طلب منا القيام بانقلاب وقتل موغابي. لكن لم أصغ له، نحن لا نفعل ذلك. لقد سار واقترب من الرجل الخطأ".

وعلى العموم، فإن حالة بن ميناشي ليست غريبة جداً على إسرائيل، إذ تتكرر حالات شبيهة، يتورط فيها عاملون سابقون في الجيش الإسرائيلي بعد استقالتهم بصفقات غير مشروعة مع مناطق نزاع، خاصة المناطق التي تمنع القوانين الدولية أية علاقة معها. وتساهم هذه الصفقات عادة إما بتصدير السلاح لمجموعات مقاتلة هناك، أو من خلال لعب دور الوسيط بين أنظمة ومليشيات محظورة في هذه المناطق وبين دول في العالم.

ويبقى احتمال أن هذه الصفقات لا تتعلق بالقطاع الخاص الإسرائيلي فقط، وارداً، وتثار الشكوك حول علاقة الإدارات الإسرائيلية بصفقات مشبوهة وأشخاص خارجين عن المؤسسة مثل بن ميناشي.

وسبق أن اتهمت الحكومة الإسرائيلية بعلاقاتها مع أشخاص شبيهين، مثل تاجر السلاح الإسرائيلي المعروف هانوش ميلر، الذي تورط بإعداد صفقة سلاح مع جماعة محظورة دولياً في الصومال في عام 2010، واتهمت وزارة الدفاع الإسرائيلية بإدارة الصفقة.

وبالعودة إلى ليبيا، يأتي ورود اسم بن ميناشي والحديث عن علاقاته بانفصاليي ليبيا، وحفتر، بالتزامن مع تبلور وطرح خطط جديدة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات، قدمها نائب مساعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سيباستيان غورك. ما يستدعي تساؤلاً ضرورياً عن دور حفتر وحلفائه الفيدراليين. فهل يتجه الجنرال المتقاعد إلى خيار الانفصال بشرق ليبيا، تعويضاً عن فشله العسكري المتواصل؟

ذات صلة

الصورة
حفتر

سياسة

فصل جديد من تحركات الإمارات وأطماعها في ليبيا يكشف أخيراً، مع بدء أبوظبي تحرّكات للسطو على الذهب في الجنوب الليبي بتواطؤ مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر وأبنائه، وقد عُقد لقاء بالفعل في هذا الشأن.
الصورة

سياسة

بدا أن الاتفاق المصري ـ اليوناني بتعيين الحدود البحرية بين البلدين، والذي جاء بضوء أخضر من الولايات المتحدة، يستهدف محاصرة تركيا في البحر المتوسط، وتحجيم دورها لمصلحة دول منتدى غاز شرق المتوسط، فيما يُتوقع أن ترد أنقرة.
الصورة
مليشيا حفتر-عبدالله دوما/فرانس برس

سياسة

على الرغم من محاولات الدفع برئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق عقيلة صالح لشغل الفراغ الذي أحدثه غياب اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إلا أن ذلك الفراغ لا يزال يشكل عقبة أمام جهود أي وئام أو وفاق بالبلاد، خصوصاً بعد اضطرار حلفائه لملء الفراغ العسكري بمرتزقة.
الصورة
ضبط متفجرات في مناطق مدنية في ليبيا-حازم تركية/الأناضول

أخبار

عقد مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، اجتماعاً مغلقاً بطلب ليبي، لمناقشة استمرار تدفق الأسلحة على ليبيا، بالإضافة إلى المقاتلين الأجانب والمرتزقة.