حوار استراتيجي لتعزيز الدور الأميركي في العراق!

21 يونيو 2020
الصورة

(Getty)

أجرى وفد جمهورية العراق، برئاسة وكيل وزارة الخارجية، عبدالكريم هاشم مصطفى، ووفد حكومة الولايات المتحدة، بقيادة وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هيل، مناقشات حوار استراتيجي عبر دائرة الفيديو المغلقة يوم 11 يونيو/ حزيران الجاري. وقد سبقت هذا اللقاء مطالبات جهاتٍ كثيرة في داخل العراق وخارجه، بأن تكون مهمة الوفد العراقي المفاوض إخراج القوات الأميركية من البلاد، تنفيذاً لقرار سابق اتخذه مجلس النواب العراقي في الخامس من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، ألزم الحكومة بإنهاء "وجود أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية، ومنعها من استخدام أراضيه ومجاله الجوي ومياهه لأي سبب". 
والملاحظ من النص الذي ورد على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأميركية، أن "مناقشات الحوار الاستراتيجي هي (ضمن) المبادئ التي اتفق عليها الجانبان في اتفاقية الإطار الاستراتيجي عام 2008، والمبادئ الواردة في المذكرات الدبلوماسية ورسائل جمهورية العراق إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 25 يونيو 2014 (S /2014 /440) و20 سبتمبر 2014 (ٍٍS /2014 /691) على التوالي"، ما يعني تجاهل ما راهن عليه كثيرون من الراغبين في خروج القوات الأميركية من العراق، التي يصفها بعضهم بـ"قوات احتلال"، وخصوصاً قرار مجلس النواب العراقي في هذا الشأن الصادر مطلع العام 
الحالي، والموجّه إلى الحكومة العراقية لتطبيقه فوراً، بل على عكس ذلك، فإن جميع المرتكزات الحيوية للنقاشات كانت، بحسب الخارجية الأميركية، ضمن اتفاقية الإطار الاستراتيجي أولاً، ثم طلبات العراق الموجهة إلى مجلس الأمن الدولي عام 2014، وطالب فيها دول المجلس بتقديم الدعم العسكري والاستخباري واللوجستي للعراق لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي.
تفيد جميع حيثيات مناقشات الحوار الاستراتيجي، بحسب ما جاء في النصين، العراقي والأميركي، بوضوح بأن ما دار فيها وتوافق عليه الطرفان هو تعزيز لروح الشراكة العراقية – الأميركية، ليس في مجال مكافحة الإرهاب المتمثل (الآن) بفلول تنظيم داعش الإرهابي وحسب، بل في جميع المجالات الحيوية للدولة العراقية، ومنها بالتحديد قضايا الاقتصاد والطاقة التي أبرز الجانب الأميركي فيها حاجة العراق للقيام بإصلاحات اقتصادية أساسية، واستعداد واشنطن لتوفير مستشارين اقتصاديين، للعمل مباشرةً مع الحكومة العراقية، مع إدخال الشركات الأميركية العالمية في قطاعات النفط والغاز والكهرباء وغيرها.
وقدم ديفيد هيل للوفد العراقي رؤية أميركية عن تعزيز التعاون مع الحكومة العراقية في القضايا السياسية والأمنية، وأكد مباشرةً إصرار بلاده على مساعدة حكومة مصطفى الكاظمي في تنفيذ برنامجها الحكومي والإصلاحات، بما يمنح الشعب العراقي استحقاقاته وتطلعاته بحياة أفضل. وأيضاً بما يصنع الإستقرار في البلاد، تمهيداً لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة بدعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وهنا قال المسؤول الأميركي إن واشنطن ستساعد الحكومة العراقية في دعم جهودها المبذولة لتعزيز "سيادة القانون، وحقوق الإنسان، وعودة النازحين والمهجرين، وتنظيم البرامج الخاصة لإعادة دمجهم بالمجتمع".
ولبيان عمق العلاقة التي تنشدها واشنطن مع بغداد استراتيجياً، لم تغب عن واجهة النقاشات 
حتى الجوانب الثقافية، فجرى اعتماد خطط إعادة المحفوظات السياسية المهمة إلى حكومة العراق وتكثيف وتنظيم الجهود المبذولة لزيادة قدرات الجامعات العراقية، إضافة إلى مناقشة خطط إعادة القطع الأثرية وأرشيفات حزب البعث الموجودة لدى الجانب الأميركي إلى العراق.
ومما تقدم أعلاه، يسأل سائل: كيف يمكن أن يمنح مصطفى الكاظمي الولايات المتحدة كل هذا الفضاء الاستراتيجي الإيجابي، في حين أن كتلاً وأحزاباً كبيرة، بل وحتى المرشد الأعلى للدولة الجارة للعراق، إيران، طالبوا جميعاً برحيل (أو طرد) القوات الأميركية من العراق، خصوصاً بعد اغتيالها قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني ورفيقه نائب رئيس الحشد الشعبي في العراق، أبو مهدي المهندس، في بغداد مطلع السنة الحالية؟ الجواب بالتأكيد أن التعامل مع هذا الأمر بالغ الخطورة والحساسية، لم يغب عن بال الكاظمي؛ فكان الإطار العام لهذه النقطة الجوهرية مهلهلاً وفضفاضاً، لكنه لا يقطع بشيء واضح ومحدّد، نصه أن "الولايات المتحدة تؤكد أنها لا تسعى ولا تطلب قواعد دائمة أو وجوداً عسكرياً دائماً في العراق، كما اتُّفق عليه سابقاً في اتفاقية القوات المسلحة لعام 2008، التي ألزمت الحكومة العراقية بحماية الأفراد العسكريين للتحالف الدولي والمنشآت العراقية التي تستضيفهم، بما يتماشى مع القانون الدولي والترتيبات المحددة لوجودهم، كما يقرّرها البلدان". لكن أبواب الوجود الأميركي بقيت مُشرعة، 
بحسب النص أيضاً "أدرك البلدان أنه في ضوء التقدم الكبير نحو القضاء على تهديد داعش، ستواصل الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة تخفيض القوات من العراق ومناقشة وضع القوات الباقية مع حكومة العراق، مع تحويل البلدين قواتهما للتركيز على تطوير علاقة أمنية ثنائية قائمة على المصالح المتبادلة القوية".
ويجد المتابع للتطورات العراقية في موضوع إبقاء القوات الأميركية من عدمه عدة مسائل مهمة، أولاها قدرة رئيس مجلس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، على التعامل مع الولايات المتحدة بما يستطيع أن يستثمره للخروج ببعض الأزمات الخانقة في بلاده وضمان توافق دولي على مساعدة العراق اقتصادياً بشكل رئيس. والمسألة الثانية استهداف فصائل مسلحة (منفلتة) مقارّ وقواعد وسفارة الولايات المتحدة بصواريخ كاتيوشا، ضغطاً منهم على سير النقاشات في الحوار الاستراتيجي، وهو ما عُدَّ تراجعاً لدور الأحزاب والتنظيمات المسلحة الكبرى التي كانت تطالب علناً بطرد القوات الأميركية، وإلا فاستهدافها بوصفها قوات احتلال وطردها بالقوة. والأهم، لجوء الكاظمي، خلال المناقشات التي أجراها الوفد العراقي، إلى مسك العصا من الوسط، أي محاولة التعامل مع واشنطن باعتبارها حليفاً وشريكاً استراتيجياً، وأيضاً إبقاء الأبواب الخاصة بإغلاق القواعد الأميركية مفتوحة خلال المراحل الزمنية المقبلة، إرضاءً وتهدئةً للجارة صاحبة النفوذ الأهم في بلاده، إيران، حتى حين.