حلب عار الإنسانية

13 ديسمبر 2016
الصورة
دفع السوريون ثمناً غالياً لكنهم لم ينهزموا(جواد الريفي/الأناضول)


لم يكن أحد حاضراً في حلب، أمس، على الرغم من أن الجريمة كانت تحصل في وضح النهار وتنقلها كاميرات التلفزيونات ووسائل الإعلام. عاشت المدينة عمليات قتل وتصفيات للمدنيين تحت إشراف القوات الروسية وبمشاركتها، ولا يزال هناك قرابة 100 ألف مدني محاصر في 2 كيلومتر مربع ينتظرون مصيراً مجهولاً. 

لا أحد يريد أن يستمع لنداءات الاستغاثة التي لم تتوقف منذ أشهر عدة، من أجل نجدة قرابة ربع مليون مدني محاصرين داخل مساحة صغيرة بلا غذاء ولا دواء، بينما تنهال عليهم حمم الموت الروسية من الجو، وشتى أساليب القتل من الأرض على يد المليشيات الطائفية التي تقودها إيران.

الأمم المتحدة أول الغائبين وهي صاحبة المسؤولية الأولى عن هذه المأساة. فعلى عاتقها تقع مهمة تأمين حماية المدنيين في ظرف خطير مثل هذا الظرف، تجاوز في قسوته شتى أشكال الحروب التي عرفتها البشرية. فما عرفته حلب هو عبارة عن حرب إبادة مع سابق تصميم، لم يتردد مرتكبوها في إطلاق هذا الاسم عليها.

فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال صراحة أكثر من مرة: سنبيد المعارضة، وهو يعني إبادة كل من لا يخرج من حلب، وهذا ما حصل يوم أمس حين انطلقت حملة تصفيات واسعة ضد المدنيين. ولن يسجل تاريخ الأمم المتحدة هنا سوى العار. فمندوبها الذي كلفته بمتابعة الملف السوري ستيفان دي ميستورا، تنازل عن المهمة الإنسانية، وتحوّل إلى مبشّر بالخراب و"سحق" و"إبادة" المدينة قبل عيد الميلاد.

اكتفى بأن أعطى القاتل مهلة كي ينجز مهمته قبل نهاية العام، وقبل أن يحتفل العالم بأعياد الميلاد ورأس السنة، وهذا ما يفسر الغياب المريب لرئيسه عن المشهد كليا، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي كانت مهمته تنتهي على وقع الدمار الرهيب الذي شهدته حلب.

أما الولايات المتحدة، فقد أصمَّ رئيسها أذنيه عما يحصل في حلب، واكتفى من المسألة كلها بإيفاد وزير خارجيته جون كيري صاحب نظرية المفاوضات من أجل المفاوضات. ولم تنجح كل مساعي كيري بما يسمح حتى بإدخال كيس طحين، وظل في ذهاب ومجيء إلى المنطقة، وهو يشيع قدراً كبيراً من الوهم لدى الناس المحاصرين الذين كانوا لا ينشدون غير وقف القتل والسماح بدخول الغذاء والدواء.



ومثلما سيلحق العار بالأمم المتحدة، فإنه يلازم تاريخ الولايات المتحدة ورئيسها باراك أوباما الذي أوحى انتخابه ببداية عهد إنساني جديد كونه كأول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض، ولكن تبيّن أن هذا الرجل لا علاقة له بميراث الألم الزنجي. ففي الوقت الذي كانت تسقط فيه حلب كان منشغلاً بتزيين شجرة عيد الميلاد وبالترتيبات لإعداد الاحتفالات الأخيرة له في البيت الأبيض.

ومهما كانت الأولويات الأميركية في سورية، وخصوصاً محاربة "داعش"، فإن السكوت على المجزرة بحق المدنيين هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون إدارة الظهر لمسؤولية سياسية من قبل دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، يفترض أن تقدم المثال في الدفاع عن السلم الأهلي، وأن لا تتسامح حيال مبادئ القانون الدولي، لا أن يتباهى رئيسها بعقد صفقات على حساب الأبرياء، ومن ذلك افتخاره بعقد صفقة الكيماوي مع نظام الأسد.

لن يسامح السوريون أحداً طالما أن العالم لم يفعل شيئاً من أجل وقف المجزرة، وبقي يتفرج عليهم طيلة خمس سنوات. في هذه السنوات تم تدمير القسم الأكبر من سورية، وجرى تهجير ثلثي شعبها.

كانت الجريمة تحصل أمام الجميع، وكان الجميع يعرف مآلاتها، ولم يتدخل أحد لمنعها، وكانت السنوات تمضي والنظام مستمر في حرب إبادة الشعب وتدمير البلد. وعلى الرغم من الحكم عليه، يرتكب جرائم حرب منذ العام الأول للثورة، تُرك يتحرك بحرية على مسرح الجريمة الذي بات على وسع الأرض السورية بمشاركة إيران ومليشياتها الطائفية. وحينما عجز عن قتل تصميم السوريين في الحصول على الحرية، استعان بزعيم المافيا الدولية فلاديمير بوتين لإكمال مهمة تصفية السوريين على الطريقة الشيشانية.

دفع السوريون ثمناً غالياً لكنهم لم ينهزموا، وهم يدركون أن المعركة لم تنته بعد، ومهما حصل فإن المجرمين لن يفلتوا من العقاب. فالأسد وفريق المجرمين الذي يحيط به والمسؤولون الإيرانيون وبوتين ولافروف ومسؤولوه العسكريون كلهم أعداء للشعب السوري، الذي لن يوفر وسيلة لملاحقتهم أمام المحاكم الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية.