حكومة علاقات عامة في العراق

09 سبتمبر 2020
الصورة

انقضت مائة يوم على حكومة مصطفى الكاظمي في العراق، والتي صممتها الشراكة الأميركية الإيرانية بعجالة، لتكون كاملة بوزرائها، من دون أن يصدر عنها أي قرار أو إجراء يحمل رسالة إلى العراقيين الذين ينتظرون مع كل حكومة من ينقذهم، ويخفف من أثقال مصاعبهم وهمومهم المتراكمة منذ غزو العراق، وذلك على الرغم من الوعود التي قطعها الكاظمي عند تكليفه برئاسة الحكومة، ليستمر في نهج أسلافه الذين توالوا على الحكم، وأجزلوا عطاء كلام الإصلاح والتخلص من الفساد والضرب بيد من حديد على الفاسدين، من دون أن يجرؤ أي منهم بالتقدّم ولو خطوة واحدة بهذا الاتجاه، بل إنه مع كل حكومة تطوى ملفات فساد جديدة، ويتسع فيها قتل العراقيين والتغاضي عن المجرمين والجناة الذين يعيثون في بلاد الرافدين دمارا ما بعده دمار. 

لم يصدر من الحكومة أي قرار أو إجراء يحمل رسالة إلى العراقيين الذين ينتظرون مع كل حكومة من ينقذهم، ويخفف من أثقال مصاعبهم وهمومهم المتراكمة

استهل رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بداية حكمه باختيار فريق إعلامي من الصحافيين والمستشارين لتسويق حكومته وصورته للشعب العراقي، يتناوبون على التصريحات ويتكلمون باسمه تارة وأخرى، لتوصيف تحركاته أو عدمها حسب الحاجة والمناسبة، لإظهاره بنوع من "المصداقية والديناميكية". كما تم في اليوم التالي لتسلمه رئاسة الوزراء إنشاء عدة صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، لترويجه منقذا للعراق، وصاحب الأفكار السديدة في مكافحة الفساد والمليشيات والسلاح المنفلت وإعادة هيبة الدولة العراقية وسيادتها. كما تم ترويج انتخابه رئيسا للعراق بنظام رئاسي، بدلا عن النظام البرلماني الحالي، ليتمكّن من الإمساك بقوة بالعراق الذي يحتاج حاكما مثله! ولكن هذا الفريق من المستشارين والإعلاميين لم يسعفه في أي من الأحداث العديدة التي وضعت شخصه، وكل حكومته، على المحكّ. أولها احتلال المليشيات الولائية مقرّه في المنطقة الخضراء بعد اعتقال ما تسمّى "مليشيات الكاتيوشا" التي تطلق الصواريخ قرب السفارة الأميركية، حيث رفض رئيس مكافحة الإرهاب أمر اعتقالهم، ومن ثم احتلت هذه المليشيات مقرّه، وأجبرته على إطلاق سراح رفاقهم، لينشروا بعدها فيديو يظهرهم وهم يدوسون بالأقدام على صورة قائدهم العام. تبع ذلك اغتيال الخبير والمستشار المقرّب منه، هشام الهاشمي، والذي يعمل منذ سنوات في الدوائر الأمنية. وقد تعهد الكاظمي لعائلة الهاشمي التي زارها بالمناسبة باعتقال القتلة الذين أظهرت الكاميرات تعقبهم القتيل واغتيالهم له في الليلة نفسها. انتظر العراقيون أن يجرؤ الكاظمي على تنفيذ وعده، ويلقي القبض على المجرمين ويحاسبهم، لكن ظنهم كان في محله، أنه لن يواجه المليشيات، ولن يتمكّن من محاسبة أي منتسبٍ لها. وتاليا، تم اغتيال الناشطة رهام يعقوب من مدينة البصرة التي كان لخبر اغتيالها أصداء دولية واسعة، وصلت إلى البيت الأبيض، دفعت الكاظمي إلى التوجه الى بيت عائلتها مباشرة، وهو في طريق عودته من واشنطن، حيث وقّع هناك على اتفاقية تجديد الوجود العسكري الأميركي في العراق، لكن كل ما قام به إقالة مدير شرطة البصرة المعروف بولائه للمليشيات. أما عائلة رهام فلم تطلب من الكاظمي شيئا، لكن والدها تحدّث في فيديو، يناشد السفارات الأجنبية بإعطائه تأشيرة لمغادرة العراق، للحفاظ على بقية أولاده وأسرته من الاغتيالات! 

الحكومة في حالة نوع من هروب إلى الأمام من تنفيذ استحقاقات مطالب المتظاهرين وعموم الشعب في حياة أكثر كرامة

أما أكثر رد فعل سيئ حصل عليه الكاظمي، فكان إعلانه، قبل أسبوع، عن الحملة العسكرية المسمّاة "الوعد الصادق" لضبط السلاح المنفلت في العراق الذي يتعدّى سبعة ملايين قطعة، بحسب الخبراء العسكريين العراقيين، فالطبيعي أن تكون هذه الحملة مباغتةً لضمان نجاحها وفعاليتها، وأن يقوم وزير الدفاع والداخلية بما قامت به القوات الأميركية قبل سنوات في بغداد، حينما جمعت السلاح في مقابل مبلغ من المال، أو بعملية من هذا القبيل، لا أن يروّجها فريقه الإعلامي قبل أسبوع. ليس ذلك فحسب، بل كانت هزيلةً ومضحكةً نتيجةُ هذه العملية التي أُعلن عن مشاركة مختلف صنوف القوات العسكرية والأمنية فيها، وصرفت عليها الأموال والجهود، وانشغل بها الإعلام أياما. وأسفرت عن تفتيش مناطق أبو الخصيب والزبير حصرا، وهي مناطق خالية من المليشيات، ومصادرة أسلحة شخصية، واعتقال بعض الأفراد، بينما كل مشكلات البصرة هي في مناطق تحتلها المليشيات الولائية، وخصوصا أرصفة الميناء، وتمتلئ بمخازن وأكداس السلاح المنفلت، وتجارة المخدّرات ومنظمات خارجة عن الدولة. كذلك تجنبت هذه القوات الذهاب إلى الأماكن الخطرة التي لا يستطيع الكاظمي نفسه الدخول إليها، مثل جرف الصخر التي تعتبر قاعدة عسكرية إيرانية، سبق لوزير داخلية (محمد الغبان) أن منع من الدخول إليها وتم اعتقاله فيها عدة أيام. وجرى الشيء نفسه في بغداد، حيث تم القبض على أشخاص من مناطق فقيرة، ووضع اليد على كمية قليلة جدا من أسلحة بسيطة، منها مسدس وثلاثة كلاشينكوف وبندقية وبعض العتاد! وتشبه هذه العملية بالضبط ما قام به الكاظمي بصدد إمساك المنافذ والنقاط الحدودية التي ذهب لزيارتها وصور فريق حملته الزيارة على أنها عملية لاستعادة هذه المنافذ من المليشيات، وسماسرة السلاح والمخدّرات، وظهر فيما بعد أن لا صحة لذلك كله. 

أولوية الكاظمي وحكومته كانت توقيع اتفاق بقاء القوات الأميركية في العراق

لا تبدو المليشيات الخارجة عن الدولة، ولا وقف الاغتيالات وجمع السلاح المنفلت، ولا محاربة الفساد، أو إجراء الإصلاح، أو توفير الحد الأدنى من الخدمات، أو تنفيذ بعض مطالب المتظاهرين وآلاف الخرّيجين وآلاف الناس في أرجاء العراق من أولويات رئيس الوزراء أو من حكومته، بل الأولوية كانت توقيع تثبيت بقاء قوات الولايات المتحدة وتجديده في العراق، إضافة إلى التهيئة مبكرا لانتخاباتٍ، في نوع من حالة هروب إلى الأمام من تنفيذ استحقاقات مطالب المتظاهرين وعموم الشعب في حياة أكثر كرامة، حتى من دون أية تعديلات على قوانين الأحزاب والانتخابات، وإنشاء مفوضية انتخابات جديدة مستقلة، بعيدة عن الأحزاب يمكن للشعب تقبلها. وحتى هذه الإجراءات لا تبدو ممكنة، بسبب رفض الأحزاب أي تغيير يمسّ هيمنتها. 

أكثر من أي وقت مضى، تبدو العملية السياسية هزيلة أمام المواطن العراقي، بسبب أداء ممثليها، وقد زادت على هزالة العملية حملة فريق رئيس الوزراء الإعلامي الذي فشل فشلا ذريعا في تجميل حكومة الكاظمي وتسويقها، على الرغم من وجود أسماء معروفة إعلاميا، لكن ما هو صحيح أيضا أن أية حملة، مهما كانت فعالة، لا يمكنها إنقاذ صورة حكومة فاشلة على الأرض، يراقب تحرّكاتها وتصرّفاتها ملايين من أبناء الشعب الثائر، وشبابه الذين فهموا لعبة الاحتلال ووكيله الإيراني، وكل خدعه لنهب العراق وسرقته وتدميره، دولة وشعبا، وبكل الطرق والوسائل المتاحة. توجّه شباب العراق في الناصرية وذي قار والبصرة إلى طرق جديدة للتخلص من هذه الطغمة الحاكمة، ومن ورائها باستخدام البلدوزر، لتهديم مقرّات الأحزاب والمسؤولين عن الفساد ونهب المال العام والتصدّي للمجرمين والقتلة، ومن يغتال الناشطين والمتظاهرين. كلها خطوات متقدّمة وجديدة في طريق تحرّر العراق وشعبه، ومساندة الثورة تعم العراق بالتحاق المحافظات الشمالية، وخروج أبناء شعبنا في مدنها تندّد بصوت واحد ضد طبقة الاحتلال للتخلص منهم، وبناء حياة كريمة لكل العراقيين، من شماله إلى جنوبه.