حكومة ظل مقدسية ضد كورونا

06 ابريل 2020
الصورة

أحد المتطوعين الفلسطينيين يشارك في تعقيم القدس القديمة (31/3/2020/الأناضول)

في التعامل مع وباء كورونا في فلسطين المحتلة، هناك حاجة إلى عمل قوي من وزارتين بالأساس، إضافة إلى تجاوب من الشعب. على وزارة الصحة أن تقوم بدور القيادة العلمية، وعلى وزارة الداخلية تنفيذ القرارات الناجمة عن تلك القيادة، عطفاً على أهمية دعم الشعب والتزامه القرارات والتوجيهات. وفي ما يخصّ مدينة القدس، هناك صعوبة كبيرة، بسبب غياب أية جهة رسمية ذات سلطة. قد يكون العنصر الشعبي متوافراً نوعاً ما، لكن غياب وزارتي الصحة والداخلية يشكل ثغرة كبيرة. فقد تخلت إسرائيل، بشكل شبه تام، عن أي اهتمام يذكر بوضع 350 ألف فلسطيني تحت سلطتها المباشرة، مع أن القدس الشرقية تعتبر، في القانون الدولي، منطقة محتلة. كذلك فإنها تخلت حتى عن ادعائها أن القدس مدينة موحدة وعاصمة أبدية لها، فمنذ اندلاع وباء كورونا، لم يسجل أي اهتمام يذكر للسلطات الصحية الإسرائيلية. 
في وقت متأخر جداً، أي في 25 من مارس/ آذار، اتصلت وزارة الصحة الإسرائيلية بمدير مستشفى مار يوسف، جميل كوسا، وأبلغته بأن عليه تحويل المستشفى لاستقبال حالات مرضية محتملة من وباء كورونا. وقال كوسا إن هذا المستشفى، المتواضع نسبياً، هو الـ23 الذي جرى التواصل معه من أجل هذا المرض، وكان الأخير الذي يُطلَب منه الاهتمام بمرضى كورونا. وقد عرضت وزارة الصحة الإسرائيلية مليوني شيكل (أقل من نصف مليون دولار) على المستشفى، كأنها تقول له خذ هذا المال، وأنتم في القدس "دبروا حالكم"، والمبلغ نفسه عُرض على مستشفى المقاصد. وقد ألغى مستشفى مار يوسف (المُسمّى بالفرنسي محلياً) قسم الجراحة، وحوّل أسرّته الـ26 لاستقبال مرضى كورونا، إضافة إلى الأسرّة الثلاثة في قسم العناية المكثفة. وستكون هذه الأرقام هزيلة في حال حصول تفشٍّ كبير للمرض في القدس، وهو ما يتوقعه كثيرون، الأمر الذي سيتطلب خطة عاجلة.
ويقول أمين سر شبكة المستشفيات في القدس، وليد النمور، إن خطة الطوارئ التي وُضعَت لمعالجة الوباء في القدس تكلف على الأقل سبعة ملايين دولار (4.5 لمعدّات وبنى تحتية و2.5 لملابس واقية للأطباء). وأفاد الأطباء في القدس عن توافر 26 جهاز تنفس 
اصطناعي، في حين أن الحاجة ستصل إلى نحو أربعمائة جهاز على الأقل، في حال تفشّي المرض. وقد دفعت خطورة الأمر متطوعين في جامعة القدس إلى تطوير جهاز يقوم بعمل جهاز التنفس الاصطناعي، وهناك محاولة لتصنيع عدد كافٍ منه لسدّ الحاجة. ويقول النمور الذي يدير مستشفى المطلع في القدس إن المشكلة ليست فقط في المعدّات، بل أيضا في الكوادر، فهناك نحو ثمانمائة طبيب وممرّض وفني يصلون إلى القدس يومياً من باقي المدن الفلسطينية، وبما أن عليهم اجتياز نقاط تفتيش إسرائيلية يومياً ذهاباً وإياباً، فمن الضروري إيجاد وسيلة تتيح للأطباء والممرّضين القادمين من المناطق الفلسطينية البقاء في القدس خلال فترة الطوارئ.
وقد تدخل للمساعدة التجمع المقدسي لمواجهة كورونا، وهو لجنة تطوعية تشمل 81 مؤسسة محلية تتعاون مع المنظمات الدولية. فقد وفر خياماً كبيرة لمستشفى مار يوسف للفحص الأولي لكل الزوار والعاملين قبل دخولهم المستشفى، إضافة إلى خيمة انتظار للمشتبه في إصابتهم بالمرض لإجراء الفحوصات. وأقنع التجمّع عديدين من أصحاب الفنادق بالتبرع بغرف، لكي يقيم فيها الأطباء، بدل العودة اليومية إلى رام الله وبيت لحم وغيرهما.
وعلى الرغم من تلك المحاولات الطوعية لتوفير حلول طبية، إلا أن غياب سلطة تنفيذية في القدس الشرقية يشكل معضلة إضافية، فإسرائيل ترفض أي دور توجيهي أو إداري أو مالي أو حتى مجتمعي لممثلين عن الحكومة الفلسطينية في القدس، بل اقتحمت الشرطة الإسرائيلية، بطريقة بشعة، منزل وزير شؤون القدس في الحكومة الفلسطينية، فادي الهدمي، صباح يوم الجمعة الماضي، واحتجزته ساعات بتهمة غير معروفة. ولكن يبدو أن محاولات الوزارة لتوفير طرود غذائية ومساعدات إنسانية لسكان القدس الشرقية قد أرعبت قوات الاحتلال، فقد أعلن الهدمي قبل أيام إقامة موقع إلكتروني للتواصل من خلاله مع المواطنين المقدسيين، لإيصال المساعدات الإنسانية إليهم. وقد أثار رد الفعل القوي للمقدسيين رعب المحتلين الذين بدأوا يشعرون بأن كل محاولاتهم أكثر من خمسة عقود لأسرلة القدس قد فشلت في أسابيع.
لقد شكّل المقدسيون، بصورة تلقائية، حكومة ظلٍّ تحاول قدر المستطاع معالجة الفراغ الموجود في المدينة المقدسة، بسبب غياب وزارتي صحة وداخلية، ما يدل على أنه مهما طال الاحتلال، لا بد من أن يصل إلى نهايته يوماً ما.