حكومة الفخفاخ بين احتمالات النجاح والإخفاق

28 فبراير 2020
امتدت جلسة الثقة أكثر من 15 ساعة (ياسين قائدي/الأناضول)
+ الخط -

تتم، اليوم الجمعة، عملية التسليم والتسلم بين رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد والجديد إلياس الفخفاخ في دار الضيافة في قرطاج. وكان الفخفاخ وأعضاء الحكومة أدوا، أمس الخميس، اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر الرئاسة بقرطاج، وقدموا براءة ذمة مالية لدى هيئة مكافحة الفساد.

ونالت حكومة الفخفاخ، فجر أمس الخميس، ثقة البرلمان، بحصولها على 129 صوتاً، واعتراض 77 نائباً، وامتناع نائب عن التصويت، بعد جلسة امتدت لأكثر من 15 ساعة، طرح خلالها النواب، مؤيدين ومعارضين، مواقفهم ومواقف أحزابهم.

ومع ساعات الفجر الأولى من أمس الخميس، جاء رد الفخفاخ سياسياً على عشرات الانتقادات والأسئلة، مصراً على خياره السياسي والائتلاف الذي اختاره، مؤكداً أن التونسيّين جرّبوا التوافق، وقد حقق بعض الإنجازات، وحان الوقت اليوم لتجربة سياسة جديدة، معتبراً أن المرحلة السابقة لم تدفع البلاد نحو الإصلاحات الحقيقيّة وتحقيق أهداف الشعب. وقال "لا يمكن الحديث عن إعادة الأمل للشعب التونسي في حين أن جلّ الخطابات هي خطابات إحباط وفشل وكسر عزائم". وشدد الفخفاخ على أنه اختار الفريق الحكومي وفقاً لـ"حبّهم لوطنهم ونكرانهم لذاتهم ورغبتهم في الإصلاح"، مؤكداً أن هذه الحكومة فيها تمثيل لـ17 محافظة، على الرغم من أن ذلك لم يكن معياراً للاختيار، وذلك رداً على انتقادات من بعض النواب حول إقصاء بعض الجهات من تركيبة الحكومة. وأضاف الفخفاخ أن "الحكومة تتضمّن كل العائلات السياسيّة والفكريّة، وهي مجسّدة للمصالحة الوطنية"، متسائلاً "كيف يمكن أن ينعت بالإقصاء بسبب خياره لحزامه السياسيّ؟ اللعبة الديمقراطية تقتضي أن يكون هناك حكم ومعارضة، ولن أقبل أن أعمل دون معارضة بنّاءة تلعب دور الرقيب".

وأشار الفخفاخ إلى أن عملية الإصلاح ستشمل كل الوزارات، بالإضافة إلى المشاريع الإصلاحية الكبرى. وتمسك أكثر من مرة بخيار سعيد لشخصه، مفسراً أسباب استبعاد حزب "قلب تونس"، وعدم الذهاب إلى خيار حكومة وحدة وطنية، خصوصاً أن حركة "النهضة" بقيت حتى آخر لحظة تؤكد حذرها من توجهات الفخفاخ، وهو ما ينبئ بأن الخلاف السياسي لم ينته بمجرد حصول الحكومة على الثقة.

وقال القيادي في "النهضة" محمد القوماني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن نقاط قوة حكومة الفخفاخ تتمثل في تسلمها لمهامها في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تغيير بسقف عالٍ. وأضاف أن "الوجوه التي ضمتها في صفوفها، من الأحزاب أو المستقلين، هم من أصحاب التاريخ النضالي في حقبة الاستبداد، أو تحملوا مسؤوليات وزارية سابقة وعُرفوا بوطنيتهم ومصداقيتهم على الساحة السياسية، علاوة على التنوع الفكري والسياسي وثراء التركيبة الأيديولوجية، من عروبيين ودستوريين وقوميين وإسلاميين واجتماعيين، التقوا جميعاً على قاعدة وثيقة الاتفاق من أجل الائتلاف الحكومي. وتعطي هذه النقاط قوة لحكومة الفخفاخ، بالرغم من غياب الالتزامات المحددة التي تتعهد الحكومة بتحقيقها. فخطاب الفخفاخ، كما الوثيقة، احتويا على عناوين عامة". واعتبر أن "البرلمانيين، والتونسيين عامة، اعتادوا الخطابات ذات النوايا الحسنة، لكن الإنجاز على أرض الواقع هو المحدد. وفي نظر النهضة ما زال نجاح الفخفاخ منقوصاً طالما لم ينفتح على الحزب الثاني في البرلمان، قلب تونس"، مشدداً على أن تواجد هذا الحزب في الحكومة سيدعم تمرير مشاريع القوانين التي ستقترحها.

ويعد عامل النضال وتاريخ بعض الأسماء نقطة القوة التي تجمع أغلب مكونات حزام الحكومة، وحتى بعض المعارضة. وأشار القيادي في "التيار الديمقراطي" سفيان مخلوفي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الأهمية تكمن في مدى معرفة هؤلاء بمكامن الخلل والعلل في الدولة. ويبقى الدعم السياسي في ظل تحالفات هشة وظرف صعب أهم معوقات نجاح حكومة الفخفاخ". ووصفها بأنها "حكومة الضرورات التي أباحت المحظورات"، موضحاً أن الفراغ وإعادة إجراء الانتخابات والتزامات البلاد الدولية لا تترك خياراً أمام الأطراف سوى العمل سوياً وتجنب سيناريوهات أكثر قتامة، ولا يمكن أن تتجاوز ذلك وتحشد الدعم إلا عبر التغيير والعمل الجدي.

في كل الأحوال، نجح الفخفاخ في تمرير حكومته، وصادقت عليها الأحزاب لأسباب مختلفة، وأصبحت أمراً واقعاً على الجميع التعامل معه على هذا الأساس. وأكد الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، لـ"العربي الجديد"، أن "معركة المشروعية تنتظر حكومة الفخفاخ، بعد أن نجحت في نيل الشرعية"، مشدداً على أن المعركة الثانية بذات قدر أهمية السابقة، فهي تتحمل مسؤولية تاريخية بوصفها "حكومة الفرصة الأخيرة". وأكد المغزاوي أن الحزام السياسي للحكومة سيدفع نحو توجيهها للملفات الحارقة، وتحقيق الحد الأدنى من مطالب التونسيين. ومن هذا المنطلق، جزم المغزاوي بأن مآلات الحكومة ومستقبلها ومدة عهدتها ستكون رهن أدائها.

في المقابل، اعتبر القيادي في حزب "قلب تونس" أسامة الخليفي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "مكونات الحكومة في حد ذاتها أبرز أسباب نهايتها السريعة، وأن جميع المؤشرات تشير إلى أن استمرارها أمر مستبعد". وأوضح، لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة تحمل في تداخلها تناقضات ما يوحي باحتدام الصراع السياسي داخلها خلال الفترة المقبلة". ونبه إلى أن "المرحلة الحالية تقتضي وجود حكومة بحزام سياسي عريض وقوي، في حين تمخضت المشاورات عن حكومة ضعيفة ذات مكونات متنافرة". ويعتبر "قلب تونس" نفسه بديلاً للحكم، لكنه يعمل على أن يكون معارضة بناءة وفعالة لا هدامة. ولفت الخليفي إلى أن "الحزب غير معني بالدعوات التي تطلقها أطراف سياسية أخرى بإدخال تغييرات على الحكومة إثر منحها الثقة، ودمج قلب تونس فيها، وأنه لا حاجة له لحقائب وزارية، وسيكتفي بالقيام بدوره كحزب معارض على أمثل وجه".

ولم تكن المواقف السياسية لمختلف نواب الحزام الحكومي مطمئنة، وسيكون على الفخفاخ بناء مناخ ثقة جديد وإقناع المشككين بجدوى خياره، إلا أن ذلك سيكون صعباً للغاية، لأنها حكومة ولدت في مناخ إكراهات ومخاوف من المجهول، وفي ظل صراع واضح للعيان حول مصدر السلطة في البلاد، بين البرلمان والرئاسة. وسيكون على الفخفاخ ألا يميل بحكومته إلى هذا الطرف أو ذاك، برغم أن ذلك سيكون مهمة شاقة، حيث كان واضحاً في رده، فجر أمس الخميس، حين شدّد على أنه لا يمكن التغافل عن نتائج الانتخابات، في إشارة إلى وصول قيس سعيد للسلطة. لكنه تغافل عن أنه وعلى الرغم من أن الانتخابات منحت "قلب تونس" و"ائتلاف الكرامة" مكانة في البرلمان، فقد تم استبعادهما من التشكيلة الحكومية.

المساهمون