حصّة لبنان من "نهاية العالم"

05 اغسطس 2020
الصورة

من مشاهد الدمار في بيروت بعد انفجار المرفأ (4/8/2020/حسين بيضون)

أكان انفجار مرفأ بيروت ناتجاً بالفعل عن إهمال مواد قابلة للتفجير، ربما اسمها "نيترات الأمونيوم" منسية في العنبر رقم 12 منذ عام 2014، مثلما قال رئيس الحكومة اللبنانية، حسان دياب، أو نتيجة عمل تخريبي، أو استهداف مخزن سلاح يعود إلى حزب الله بحسب تحليلات غير مسنودة إلا بمقولة إن كل الاحتمالات واردة .. أكان هذا أو ذاك، فإن ما حصل غير مسبوق، ككل ما يجري في لبنان منذ عام تقريباً. هو انفجار نادراً ما رأينا مثله إلا في الأفلام. قفزت المدينة ومحيطها بقُطر يزيد عن 30 كيلومتراً من مكان الانفجار (على البحر أقصى غرب العاصمة)، لتعود و"تحطّ" من دون أن يبقى شيءٌ في مكانه. عشرات قُتلوا. آلاف جُرحوا. عشرات الآلاف نُكبت حيواتهم ودمرت مصالحهم وتضرّرت ممتلكاتهم وسياراتهم ومنازلهم. أما الأزمات والأمراض العصبية التي سترافق عشرات الآلاف أيضاً فترات طويلة أو حتى مماتهم، بسبب تروما الانفجار الذي لم يسبق أن شاهد اللبنانيون مثله، حتى في حربهم الأهلية أو خلال الحروب الإسرائيلية، ولا حتى في أكبر اغتيال سياسي عرفه البلد (اغتيال رفيق الحريري)، فهذا ما ستطغى عليه ضجّة الأضرار "المباشرة" في بلدٍ منكوبٍ منذ ما قبل الانفجار: يسير على مشارف المجاعة، منهار بالكامل، محكوم من حزبٍ مسلح، موبوء بكورونا، لا سلطة تحكمه، مستشفياته تغلق أبوابها أصلاً بسبب ندرة الأدوية والمواد الاستشفائية، بلد ينتظر اندلاع الحرب عند كل صباح، وقد استسلم أخيراً لفكرة موته.

انتظر اللبنانيون الحرب، أهلية كانت أو إسرائيلية، فأتاهم انفجار خرافي مستعار من أفلام أبوكاليبسية. يكفي معرفة أن صوت الانفجار سُمع في جزيرة قبرص، لفهم حجم الحدث. بيان مرصد الزلازل الأردني يقول إن الانفجار البيروتي يساوي هزة أرضية بقوة 4.5 درجات على مقياس ريختر، معلومة أخرى مفيدة لاستيعاب فداحة الموقف. لكن ما هو هذا الانفجار الذي يشبه موجة بحر عملاقة كأنها طارت لتغطي المدينة؟ ليس السؤال موجّهاً إلى أي مسؤول، فمستوى معلومات هؤلاء يليق بمعجم النكات السمجة. يخلط وزير في الحكومة، هو وزير الصحة حمد حسن، بين انفجار مستودع مواد شديدة الانفجار ومخزن لمفرقعات نارية، فيسخر من كلامه المدير العام للأمن العام عباس إبراهيم، وهو رجل الأمن الأقوى في البلد، ويشرح له إن القصة تتعلق بمواد شديدة الانفجار مصادَرة ومتروكة في المرفأ منذ سنوات، لا مفرقعات العيد. هذيان يليق بمستوى أداء هذه السلطة. تغيب قيمة التحليل والتنظير أمام البحث عن معلومةٍ يتأخر وصولها من بيروت على حساب طغيان شائعاتٍ تروّجها وسائل إعلام رخيصة، فالشائعة أسهل من المعلومة، وأسرع منها بما لا يسمح بالمقارنة. مسؤولو هذا البلد يتحوّلون فجأة على شاشات التلفزيون إلى شعراء ومراقبين أجانب ومحللين، بينما يُفترض أن يكونوا ببساطة مسؤولين وأن يفيدونا بمعلومات. محافظ بيروت مروان عبود يُسأل عما حصل، فيشبهه بانفجاري هيروشيما وناكازاكي!َ بالطبع لا يخبرنا أي رجل أمن، أو أي مسؤول في السلطة التنفيذية، كيف أمكن ترك مثل هذه المواد الخطيرة هكذا لتتحول لاحقاً إلى هيروشيما جديدة، وسط العاصمة، بما أن مرفأ بيروت ملاصق لأحياء بيروت الزاحفة شرقاً من أحياء الأشرفية والصيفي والجميزة. يكتفي من يظن نفسه فعلاً رئيس حكومة بأن يقول إن مخزن المواد تلك موجود في المرفأ منذ 2014، ويكاد يخرج عن النص المكتوب ليصرّح في وجوهنا: هل رأيتم؟ لا علاقة بعهدي بها. إنها من عهد الحريرية السياسية ومن يحاربنا اليوم.

أحد أوجه الكارثة اللبنانية التي يكشفها الانفجار الرهيب أن لا ثقة بأية معطيات أو معلومات تقدمها السلطة. ربما تكون رواية النيترات، والمواد الأخرى بأسمائها العجيبة، صحيحة تماماً، لكن لا قدرة لمن يعيش في لبنان وخارجه على تصديق أي كلمةٍ تنطق لها سلطة العار تلك. صحيحٌ أن مثل هذه الظروف هي ولّادة لنظريات المؤامرة، بكل ما هو منطقي فيها وغير منطقي، إلا أن كل أداء السلطة، في المقابل، يفتح الشهية لكل السيناريوهات والتأويلات. هذا يحلو له أن يجزم بأن صاروخاً إسرائيلياً استهدف مخزن سلاح لحزب الله في المرفأ. ذاك يسترسل مباشرة على الهواء ليشرح أن القصة نووية كيميائية. ولأن الانفجار يسبق موعد صدور الحكم بحق قتلة رفيق الحريري بثلاثة أيام، فإن شائعات بالجملة حسمت أن أحد التفجيرين (هو انفجار واحد على مراحل ثلاثة أو أربعة) استهدف "بيت الوسط"، مقر إقامة سعد الحريري، مرفقة بالمبالغات اللبنانية المعلومة وبالتفشيخ الموصوف الذي لا يرضى صاحبه إلا أن يخبرك كيف أنه عرف وسمع ورأى .. شخصياً.

القتلى والضحايا ليسوا شهداء ولا مشاريع شهداء. على الأرجح أنهم كانوا ليرفضوا تسميتهم شهداء قبل مقتلهم أو إصابتهم، فلا هم يطمحون بنضالاتٍ كبرى، ولا هم يرتضون بأن يشكل وقار مصطلح الشهادة دواءً مهدئاً للمواطنين، من شأنه تأجيل انفجارهم. كانوا مواطنين يريدون عيش حياة شبه طبيعية، بما أن الطبيعية تماماً متعذرة. إنهم ضحايا. ضحايا كل شيء. ضحايا العيش في هذا البلد الذي انتهى منذ مدة. ضحايا سلطةٍ لا تستحق اسمها. ضحايا منظومة حكم لن تتمكّن أي مخيلة شريرة من تصوّر ما هو أسوأ منها وأفقر منها وأكثر ضحالة منها. ضحايا ارتضاء عدد كبير منهم بالعيش في مزارع طائفية متحدة لا في وطن. ضحايا طائفية ستتبخر معها مسؤولية مَن خَزّن المواد تلك منذ سنوات، ومَن علم بتخزينها، ومَن صمت منذ تلك الفترة، ومن لم يعلم بأمرها فكان مذنباً كالطرفين الأولين. إنهم ضحايا ثقافة اللامحاسبة المتجذّرة منذ تأسيس البلد تقريباً.

ربما يكون انفجار المرفأ حصّة لبنان الذي نعرفه من "نهاية العالم" مجازياً. لكنه الأكيد أن انفجار المرفأ سيبقى الصورة الأكثر تعبيراً عن نهاية بلدٍ آن الأوان للاعتراف بموته.