حسم فترة ملء الخزان: أولوية مصرية لمفاوضات سد النهضة

28 يوليو 2019
الصورة
ستبلغ أعمال البناء 75% بنهاية العام(زكرياس أبوبكر/فرانس برس)
+ الخط -

رحبت مصر بتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد عن اهتمام بلاده باستئناف مسار المفاوضات الثلاثية مع مصر والسودان بشأن سد النهضة، استناداً إلى قاعدة الاتفاق الثلاثي الموقع في مارس/آذار 2015، بعدم الإضرار والمشاركة في التنمية والاستفادة من مجرى النيل بصورة تراعي مصالح جميع الأطراف. وكان وزير الخارجية الإثيوبي جيدو أندارجاشيو نقل هذا الأمر، عبر القنوات الرسمية الخميس الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ما استدعى الأخير إلى الترحيب بأن تستضيف القاهرة، أو إحدى العاصمتين الأخريين، مباحثات سريعة لإحياء المسار التفاوضي المجمد منذ الصيف الماضي لأسباب مختلفة.

وكشفت مصادر دبلوماسية مصرية، لـ"العربي الجديد"، أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق بين الدول الثلاث على صيغة استئناف المفاوضات، وما إذا كانت ستجرى على مستوى سداسي بحضور وزراء الخارجية والمياه، أم على المستوى التساعي بإضافة حضور مديري الاستخبارات، وهي الصيغة التي كانت قد اقترحتها القاهرة، وعلى ما يبدو لم تلق قبول أديس أبابا في الفترة الماضية نظراً لخروج المناقشات عن المواضيع التقنية والتنموية، ودخولها في سياقات أخرى لا يرغب رئيس الوزراء أبي أحمد في إثارتها حالياً.

ورجحت المصادر أن يشهد الصيف الحالي اجتماعاً واحداً على الأقل، بحضور وزراء الخارجية والمياه في الدول الثلاث، على أن تكون الأولوية لحسم مشكلة عدد سنوات ملء الخزان الرئيسي للسد، والتي تعتبر حتى الآن المشكلة الرئيسية بين القاهرة وأديس أبابا، قبل نهاية العام الحالي، والتي كان يرغب السيسي في انتزاع وعد من أبي أحمد بألا تقل عن 7 سنوات، في بداية العام الحالي، لكن هذا لم يحدث. وينصح المفاوضون المصريون حالياً، بحسب المصادر، بتبني مطالبات أكثر راديكالية، بألاّ تقل سنوات الملء الأول عن 15 سنة، وأن يتم وضع آلية فنية غير وزارية وغير استخباراتية مشتركة بين الدول الثلاث، بإشراف مكتب خبرة أجنبي متفق عليه، لتحديد حجم الملء ونسبته عاماً بعام، لضمان عدم تضرر مصر من انخفاض منسوب المياه.


وذكرت المصادر أن التجربة العملية على مدار الشهور العشرة الماضية أكدت فشل ما يسمى بـ"المجموعة الوطنية المستقلة للدراسات العلمية" التي شكلت بصورة سرية من 15 عضواً، بواقع 5 ممثلين لكل دولة. وتختص المجموعة بتقديم توصيات علمية لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث حول عملية ملء الخزان، واستغلال الموارد المائية المشتركة في تنمية الدول الثلاث وفق معايير عادلة، والتأكد من عدم انعكاس عملية ملء الخزان بالضرر على أي طرف، حيث لم يتم حتى الآن البت في الملاحظات التي أبدتها الدول الثلاث على توضيحات الاستشاري الفرنسي، في تقريره، بشأن الآثار الاجتماعية والاقتصادية على دولتي المصب. وأضافت المصادر المصرية أن السيسي يتمسك بحسم مسألة ملء الخزان قبل نهاية العام الحالي بالنظر للمعلومات الواردة من إثيوبيا عن اقتراب نسبة البناء العامة في السد إلى 70 في المائة وتوقعات ببلوغها 75 في المائة بنهاية العام، وأن الأعمال الكهروميكانيكية تقترب من 30 في المائة بالرغم من أنها لم تبدأ قبل بداية العام، وذلك بعد انضمام عدد من المستثمرين، الفرنسيين والصينيين، إلى المشروع، والاتفاق على تزويد السد بعدد 11 وحدة توليد طاقة، سيبدأ بعضها في العمل العام 2020، الأمر الذي يؤكد أن إهدار المزيد من الوقت ليس في مصلحة مصر.

ويقلق الإرجاء الدائم لوضع حلول جذرية لهذه المسألة الدوائر الحكومية في القاهرة، خصوصاً أن الاجتماع التساعي الأخير في أديس أبابا لم يتطرق بتركيز إلى هذه المسألة، بل أحالها إلى اجتماعات لاحقة للتعليق على التقرير الجديد المنتظر من المكتب الاستشاري، وبالتالي تم إرجاء حسم مقترح كانت تداولته اللجنة الفنية لوزراء الري، يتضمن أن تشارك مصر في تحديد الكميات التي سيتم تخزينها بشكل ربع أو نصف سنوي قبل فترة الملء الكلي، وأن يكون لها الحق في مراقبة دقة تنفيذ ذلك الجدول، ولا يكون لمصر أو السودان حق تغيير تلك الكميات خلال العام، ولا يكون لهما الحق في طلب وقف ملء الخزان في أي مرحلة. وأشارت المصادر إلى أن حسم مسألة فترة الملء الأولى يعتبر حالياً أبرز المشاكل العالقة، وأن التركيز على حلها يسير بالتوازي مع اتصالات بين القاهرة وأديس أبابا حول إنشاء المنطقة المصرية الصناعية الحرة في إثيوبيا، حيث كان الطرفان قد توصلا إلى خطة طويلة الأجل لتنفيذها لتشجيع المستثمرين المصريين لدخول السوق الإثيوبية في مجالات الزراعة واستصلاح الأراضي، ومنتجات الألبان، وتصنيع الأخشاب، والبناء والتشييد، والحديد والصلب، والكهرباء والطاقة، على أن يتم إعفاؤهم من بعض الضرائب والرسوم التي كانت تقف عائقاً أمام استثمار المصريين في أقاليم الاتحاد الإثيوبي. وأوضحت أن الهدف من هذه الخطة هو محاولة ملء الفراغ الذي نشأ في السوق الإثيوبية أخيراً، نتيجة خروج عشرات الشركات من الصين ودول الخليج منها بعد أحداث الشغب التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، والتحضير لخطوات لاحقة في سياق الاستفادة المشتركة من مشروع سد النهضة، وأن السيسي يراهن على نجاح هذه الخطوة لدفع أديس أبابا إلى مزيد من المرونة إزاء المطالبات المصرية بشأن تمديد فترة الملء الأولى.

وكان السيسي قال، مطلع العام 2018، إنه "لم تكن هناك أزمة من الأساس حول سد النهضة" بعد اجتماع في أديس أبابا مع نظيره السوداني المخلوع عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايله ميريام ديسالين، على هامش حضورهم قمة الاتحاد الأفريقي، مخالفاً بذلك كل التصريحات الرسمية المصرية التي أبدى فيها المسؤولون قلقهم وغضبهم من انسداد المسار التفاوضي، وميل الخرطوم لمواقف أديس أبابا، وعدم مراعاتهما المخاوف المصرية من تفاقم الفقر المائي، في ظل استمرار أعمال بناء السد التي وصلت إلى 65 في المائة بحسب المسؤولين الإثيوبيين، وصولاً إلى صدور تصريح من وزير المياه الإثيوبي، في يناير/كانون الثاني الماضي، بدخول السد مرحلة التشغيل الكامل في ديسمبر/كانون الأول 2020. وبدأت القاهرة وأديس أبابا منتصف 2018 مباحثات بشأن المشروع الذي سبق أن اتفق عليه السيسي مع ديسالين لإنشاء منطقة حرة صناعية مصرية في إثيوبيا، على غرار المناطق الحرة الصينية هناك، حيث تم الاتفاق على توسيع أعمال شركة المقاولين العرب الحكومية وكذلك شركة السويدي للكابلات، وكلاهما تعملان في مجال المقاولات والإنشاءات المعمارية، فضلاً عن دخول عدد من الشركات الحكومية والتابعة لجهات سيادية السوق الإثيوبية في مجالات تصنيع الأخشاب والحديد والصلب والمعادن.