حرب للوصول إلى المعلومة وحرب ضدّها

08 ابريل 2020
الصورة
حربٌ على المعلومة، وحرب موازية على أشكال التلاعب بالمعلومة، في أزمة فيروس كورونا. شعبوية تقليدية تجاور أخرى أكثر خبثا. الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو يعتقد أن لا ضرورة لأي حجْر صحي، بما أننا "سنموت يوما ما" من الفيروس أو غيره. بحجة الدفاع عن الفقراء وفرص العمل، يستعرض مؤيديه في الشوارع، ويشجعهم على كسر الحجْر الصحي في وجه تعليمات حكام الأقاليم، "قاتلي الوظائف" كما يصفهم. يجاريه صديقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أحد أبرز مروجي نظرية "مجرد زكام" في محاولة تحجيم انعكاسات الوباء على الاقتصاد، في حين تنقل الشاحنات جثث ضحايا الفيروس بالعشرات يوميا في نيويورك. يهنئ ترامب نفسه على ارتفاع عدد متابعي مناظراته الصحافية بسبب الأزمة، ويطمئن مواطنيه إلى أنه سيكون في وسعهم استخدام "إيشارب" عوضا عن الكمّامة غير المتوفرة في الأسواق، وأن عدد الوفيات المتوقع بين مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف ليس بالأمر السيئ، لأن العدد كان يمكن أن يكون بالملايين. أعادت الأزمة شحذ قابليته على شتم وسائل الإعلام، فهو يستغرب سلبية صحف، مثل وول ستريت جورنال، ويعتقد أن المشاهدين ارتدّوا عن شبكة سي أن أن، ويؤكد أن صحفا، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، لم تعد تدخل البيت الأبيض. في الجانب النقيض في الفيليبين، أصدر الرئيس الشعبوي، رودريغو دوتيرتي، أوامره إلى رجال الشرطة والعسكر بالرشق بالرصاص كل من "يثير الشغب"، عبر مخالفة أوامر البقاء في الداخل، وهو الذي أعلن، في السابق، أنه قتل بنفسه المشتبه بتعاطيهم الاتجار بالمخدرات في الشوارع. 
النظام المصري أحد أبرز كاذبي كورونا. قدّمت الجهات الرسمية أرقاما محدودة جدا للإصابات، يرجّح الواقع المعيش توقعاتٍ مغايرة تماما في غياب أي خطة رسمية جدّية لاحتواء الانتشار
المتوقع أن يكون واسعا. كما يستخدم النظام القمع ضد النقد، بحجة محاربة نشر الأخبار الكاذبة. لجأ إلى الوسيلة نفسها في إسكات كل من ينشر "الشائعات" بشأن الفيروس عبر عقوبات السجن والغرامات، ومن ضمن هؤلاء مراسلو الإعلام العالمي. قرّر النظام طرد مراسلة صحيفة الغارديان البريطانية، روث مايكلسون، بعدما نشرت تقريرا عن بحث علمي أصدره فريق طبي كندي شكّك بالأرقام الرسمية المتدنية للإصابات. توقع البحث حجم إصابات يقدر بـ19310حالات في البلاد، مستخدما معلومات من القادمين من مصر أو العائدين من رحلات سياحية فيها، وسجّل كثيرون منهم إصابات بالفيروس. أقدم النظام على سجن طبيبة مصرية، عبّرت عن غضبها في بوست فيسبوكي لفقدان الكمّامات في المستشفى حيث تعمل، في حين أن النظام يتبرع بها للخارج. تهمة الطبيبة "نشر أخبار كاذبة". لا يقارع ادّعاء الحكومة المصرية الشفافية في عبثيته سوى تبجّح مسؤولة سورية بأن العالم بات يقتدي بالترتيبات التي اتخذها النظام ضد الوباء. في العراق، لجأت هيئة الإعلام والاتصالات إلى وقف وكالة رويترز عن التغطية ثلاثة أشهر، بعدما نشرت تقريرا توقع أن تكون أرقام الإصابات بالفيروس أكبر بكثير من الأرقام الرسمية.
الوجه القبيح للشعبوية على تنوع أشكالها وتضاربها بات يقارع بشاعة الفيروس في الديكتاتوريات، كما في الديمقراطيات العريقة المرتكبة في مواجهة أزمة غير مسبوقة، وهي التي كانت ترنحت في وقت قريب، تحت وطأة فضيحة التلاعب المعلوماتي في انتخابات واستفتاءات مصيرية في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وغيرها. سقطت أول ديمقراطية أوروبية في المجر، بعدما منح الرئيس فيكتور أوربان نفسه صلاحياتٍ غير مسبوقة، تشمل تقييد الوصول إلى المعلومة، مثل تحديد النفاذ إلى الإنترنت، وإزالة مواد من الشبكة، ومعاقبة من ينشر معلوماتٍ بديلة، إلى حد طرد مراسلة وسيلة أجنبية.
تعدّدت الوجوه، وكلها قبيحة، في القمع والتلاعب والتذاكي، إلا أن أخطرها ما يرتدي قناع السياسات العلمية الناجعة التي تقدّمها وسائل الإعلام من دون تشكيك أو محاسبة فعلية. خرج موقع إخباري غير معروف (بايلان تايمز) في سلسلة تحقيقاتٍ، قالت إنها تكشف كيفية تأطير وكالة علاقات عامة خطاب الحكومة البريطانية، لتبرير استمرار العجلة الاقتصادية على حالها أطول وقت ممكن، باعتبار أن المناعة الجماعية المكتسبة من الإصابة بالفيروس، ستقي من موجة 
إصابات متكرّرة. اعتمدت السياسة الحكومية على دراسةٍ من فريق علمي في جامعة أوكسفورد لم تنشر بعد، ولم تتم مراجعتها علميا من خبراء لإثباتها، كما أن البحث نفسه أشار إلى أنه أولي يستلزم المتابعة. اعتمد البحث على مقاربةٍ متفائلةٍ لم تأخذ في الاعتبار أرقام الوفيات الكبير في إيطاليا، والدروس من التجارب الأخرى، والتي يبدو أن الباحثين لم يتحققوا منها، إذ توقع البحث حالة وفاة واحدة فقط من كل ألف إصابة، سيتطلب علاجها في المشافي لخطورتها. لماذا تم توزيع البحث على الإعلام، قبل مراجعته علميا، وعن طريق وكالة علاقات عامة؟
ساهم البحث الذي اعترضت على نتائجه مجموعة من الباحثين، في رسالة نشرتها صحيفة فايننشال تايمز، في ترويج فكرة عدم الحاجة للتباعد بين الأفراد، بما في ذلك وقف العمل من المكاتب، وغلق أماكن الترفيه، في حين أن الأدلة من وفيات إيطاليا أثبتت بوضوح أن المعدلات المتوقعة لنموذج أوكسفورد أقل بكثير من الواقع. ساهم الإعلام في تعزيز هذه السياسة عبر الإشارة، عند كل إعلان وفاة، إلى أن الضحية متقدّم في العمر، ويعاني أمراضا سابقة للإصابة. يربط التحقيق بين البحث العملي وتقارير نفتها الحكومة حول توصية مستشار رئيس الوزراء، دومينيك كامينغز، باستخدام فرضية المناعة الجماعية لحماية الاقتصاد، وإن كان الثمن وفاة بعض كبار العمر "فذلك أمر سيئ". ولكن .. لم يثر تحقيق الموقع الاستقصائي ردة فعل تذكر، لا في السياسة ولا في الإعلام. المناعة الجماعية القاتلة اليوم أمر واقع مع نسبة وفيات تزيد عن 500 وفاة يوميا. قد يكون لسان حال الحكومة غير المعلن: لا بأس.
مع إعلان "تويتر" وقف ما لا يقل من عشرين ألف حساب وهمي تابع لحكومات مصر والسعودية وصربيا وإندونيسيا وهندوراس، وظفت للدعاية الإيجابية لسياساتها في مواجهة الفيروس، عبر نشر الأخبار الكاذبة، بات مؤكدا أن الحرب على المعلومة، بأشكالها الأكثر حذاقة أو غباء، لا تقل أهمية من الحرب على الوباء.