حرب الاستخبارات

حرب الاستخبارات

13 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
يبدو أن الحرب بين الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، وأجهزة الاستخبارات الأميركية، ستكون حامية في الفترة المقبلة، وستشهد فضائح وتسريبات كثيرة قد تهدّد الرئاسة الجمهورية، ولا سيما في حال ارتفع منسوب محتوى الوثائق التي يجري تسريبها إلى وسائل الإعلام.
من الواضح أن الحرب الاستخبارية هذه تأخذ منحيين أساسيين، الأول داخلي أميركي، والثاني خارجي في إطار الشد والجذب بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي. في الإطار الداخلي، توضح التسريبات أن هناك رأياً واسعاً داخل الاستبلاشمنت الأميركي، لا يرى ترامب مؤهلاً للرئاسة، وهو ما يتشارك معه سياسيون أميركيون عديدون، حتى من داخل الحزب الجمهوري، وهو ما يؤكده تسليم السيناتور الجمهوري جون ماكين وثائق تدين الرئيس المنتخب إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي)، فالاستخبارات الأميركية ترى نفسها مستهدفةً، بالدرجة الأولى، من وصول ترامب إلى الرئاسة، خصوصاً مع الكشف عن عمليات القرصنة التي ساهمت بارتفاع أسهمه أمام منافسته هيلاري كلينتون التي كانت ضحية هذه الاختراقات الإلكترونية. وهي عمليات تجد الاستخبارات الأميركية أنها ناجمة عن فشلها في القيام بواجبها، على الرغم من الاستعدادات السابقة الكثيرة التي كانت تحدث ترقباً لحرب إلكترونية، ومع بدء هذه الحرب، تم الكشف عن عجز أمني أدى إلى تلاعبٍ في العملية الانتخابية لأعلى منصب في البلاد.
لا يمكن لمثل هذا الأمر أن يمر مرور الكرام بالنسبة إلى صانعي القرار في الولايات المتحدة، خصوصاً مع تزايد المعلومات التي تشير إلى قيادة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، شخصياً حملة القرصنة لرفع حظوظ ترامب انتخابياً، وهو عملياً نجح في ذلك، مع انهيار كل الدفاعات الإلكترونية الأميركية. تضاف إلى ذلك المعطيات اليومية التي تؤكد التقارب الكبير بين ترامب وبوتين، والغزل المعلن والمبطن الذي يحصل بين الرئيسين، سياسياً واقتصادياً، فترامب يرى في بوتين شريكاً في كل الملفات التي تهم الولايات المتحدة، من محاربة "داعش" إلى مواجهة الأزمة الاقتصادية. مثل هذا التقارب ينظر إليه بعين الريبة من الأجهزة الاستخبارية التي تبدو مطلعة بشكل كامل على العلاقة بين ترامب وبوتين، وأبعادها وخلفياتها، وهو ما ظهر في الوثائق الـ 35 التي تم تسريبها.
وفي حال صحّت عشرة في المئة فقط من معطيات هذه الوثائق، فهي قد تكون كافية لتقويض عهد ترامب وبدء خطوات عزله. وربما يكون هذا الهدف الأساس للحرب الاستخبارية الداخلية، والتي قد يرتفع منسوبها تدريجياً في الأيام أو الشهور المقبلة، خصوصاً أن المعطيات تشير إلى وجود مزيد من الوثائق في حوزة الكتلة الاستخبارية الغربية، الممتدة من الولايات المتحدة إلى ألمانيا، والتي ترى جميعها في ترامب خطراً على المنظومة الغربية، ومساهماً في التمدّد الروسي نحو الغرب.
من هنا، يأتي المنحى الآخر للحرب، والذي يستهدف النفوذ الروسي في الدرجة الأولى، خصوصاً أن الاستخبارات أيضاً غير راضية عن أداء الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، الذي ساهم في التمدّد الروسي عالمياً، ضارباً جهود العقود السابقة لتحجيم موسكو وإضعافها سياسياً واقتصادياً. لن يقف هذا الجزء من الحرب عن حدود التسريبات الخاصة بترامب، باعتبارها مواجهةً بالوكالة، بل قد ينتقل إلى مرحلة مباشرة أكثر، ولا سيما في حال الكشف عن مزيد من المعطيات تشير إلى أن "الخطر الروسي" يتعاظم، وهو ما بات يشكل قناعةً لدى صناع القرار والسياسيين في الولايات المتحدة، مع انتشار ما بات يعرف بـ"روس فوبيا"، والذي قد يسهّل الدخول في مرحلة أعلى من المواجهة.