حاجات مي زيادة

19 فبراير 2020
الصورة
(مي زيادة، من أرشيف حجاج سعادة)
+ الخط -

يبدو أنّ وعيَ العرب بقيمة الترجمة في الانفتاح على الثقافات المغايرة لهم، من جهة، وبدورها في الإفادة والتقدّم والارتقاء، من جهة ثانية، بدأ في العصر العباسي الذي بلغت فيه الترجمةُ أَوْجَها، ضمن حركة نشيطة رعاها بعض الخُلفاء، وكرَّس لها رجالٌ أفذاذ من المترجِمين والمفكِّرين وقتاً وجهداً كبيريْن.

تفطَّن أولئك المثقّفون العرب إلى قيمة الفكر والآداب والعلوم الوافدة، وخاضوا في بعض المشاكل والقضايا التي يطرحها نَقلُها إليهم، وكذلك ما يُمكن أن يَلحق ما لديهم من كُتُب دين أو فن أو علم عند نقلها إلى لغات أجنبية، وهو ما لفت الجاحظ النّظر إليه في صفحات من "الحيوان" وكذلك أبو حيان التوحيدي، وغيرهما.

وفي العصر الحديث، أي بعد حملة نابليون على مصر، انتبه العرب إلى تأخّرِهم، وشرعوا يلتمسون سبيلَ اللحاق بركب الغرب المتقدِّم، ليس من موقع المتفوِّق، كما كانوا في القديم، بل من موقع التابع، فاتُّخِذتْ مُبادرات عديدة؛ كتلك المشاريع الكبرى - في المجالات العسكرية والاقتصادية والتعليمية - لحاكم مصر محمد علي، أو لسلطان المغرب الحسن الأوَّل، مثلاً، اللذيْن صادف أن أرسل كلاهما بعثات من الطّلبة إلى أوروبا بغاية التعلُّم، وأن شيَّدا معاً دارَين للألسن، أي للترجمة، في القاهرة وفي طنجة، مع فارق زمني بينهما يناهز نصف قرن تقريباً.

لكنَّ الوعي بأهمية الترجمة لم يقتصر على السياسيّين وحدهم، فقد انتبه المثقّفون إلى قيمتها في النهضة العلمية والاجتماعية والأدبية، ويُفسِّر ذلك انخراطُ أعلام كبار في الترويج لها، بدءاً بناصيف اليازجي، مروراً بأحمد فارس الشدياق ومصطفى لطفي المنفلوطي ومي زيادة وطه حسين، وليس انتهاءً بطه عبد الرحمان وعبد الله العروي.

ولعلَّ اللافت في الأمر أن تكون المرأةُ في شخص الكاتبة اللبنانية مي زيادة قد قدَّمت، في وقت متقدِّم، تصوُّراً متكاملاً ونافذاً تُبرز فيه ما يُبرِّرُ حاجتنا نحن العرب إلى الترجمة، في مقالة لها نُشرتْ في جريدة "المُقَطَّم" المصرية، يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر 1934، هي في أصلها جواب عن سؤاليْن: هل الأدب العربي في غنى عن الأدب الغربي؟ وهل نحن في حاجة إلى كتب موضوعة أم إلى كتب مترجَمة؟

من البديهي أنّ كل كاتب يحمل في داخله مُفكِّراً، وأنّ المفكِّرَ فيه لا يقتصر على الخوض في الشخصي، بل ينخرط في الاجتماعي، ضمن رؤية شمولية، وذلك في نظري ما ميَّز زيادة التي كثيراً ما رُوِّجتْ عنها صورةٌ تبخسُها قيمتَها الحقيقية وموقفَها الملتزم بقضايا بلادها العربية.

عن دراية تُقرّ مي زيادة، دونما أيّ عقدة، وهي الكاتبة متعدِّدة الألسن، التي كانت تتقن القراءة والكتابة والتحدُّث بالفرنسية والإنكليزية والفرنسية، بحاجة العرب إلى الكتب الأدبية الغربية مترجَمةً إلى لغتهم: "نحن في حاجة إلى هذه الكتب وتلك، في حاجة إلى الكتب المترجَمة لنشرف منها على حركة العالَم الأدبي، نستلهِمها ونستوحيها ونتعلَّم منها الشيءَ الكثير"، ولا تخفي أهمية الكتُب التي يؤلِّفها العرب أنفُسُهم بلغتهم، فنحن "في حاجة إلى الكتب الموضوعة المعبّرة عن مكنونات نفوسنا وعمّا نتطلع إليه من مُثل عليا".

تؤمن مي زيادة بأن النهضة المتطَلَّع إليها أساسُها تكامل القطاعات التي يُبنى بها المجتمع والدولة، وبضرورة أن تتضافر مكوِّنات عديدة في بنائهما، وبأن الثقافة مكوِّن جوهري في التحديث المنشود، ولأجل ذلك ترى ضرورة خلق التوازن بين مختلف أصناف المعرفة المُنتَجَة محليّاً وتلك الوافدة علينا مترْجَمة، والصادرة في كتب يُروَّج لها، لأن "حاجتنا حاجاتٌ إلى جميع أنواع الكتب الأدبية وحسب، بل والفنية والثقافية والزراعية والصناعية والعلمية بعديد فروعها، فافتقارنا إلى كل هذه الكتب محسوس رغم الشيء الكثير الذي تخرجه المطابع. إنّ اليقظة المليئة بالبشائر والآمال إنما هي قبل كل شيء مليئة بما نفتقر إليه، وهذا الشعور نفسُه كفيل باهتدائنا شيئاً فشيئاً إلى الكثير الذي نحتاج إليه".

دلالات

المساهمون