جولة التفجيرات الثانية في لبنان: لا غطاء سياسياً

27 يونيو 2014
الصورة
مداهمة الروشة التي فجّر الانتحاري نفسه خلالها (عبدالرحمن عرابي)
+ الخط -

أخيراً، اقتنع رئيس الحكومة اللبنانيّة، تمام سلام، بأن لبنان بات هدفاً لتفجيرات انتحاريّة وأمنيّة. فقد أعلن سلام هذا الأمر، بعد اجتماع الحكومة اللبنانيّة. لكن قناعة سلام هذه، لا قيمة كبيرة لها. فالحكومة لم تُقرّ، في اجتماعها الأخير، أي قرار في ما يخص الوضع الأمني. إذ لم يوافق أعضاؤها على طلب الأمن العام اللبناني إعادة العمل بتأشيرات الدخول للمواطنين السعوديين، وبرر الرافضون (وزراء تيار المستقبل) الأمر بحاجة قطاع السياحة للسياح السعوديين، وعدم رغبتهم "بالتضييق" على المستثمرين السعوديين.

اللافت هنا، أن السعوديين يحصلون على تأشيرات الدخول عند المعابر الحدودية بشكلٍ فوري، بينما لا تُعامل السعودية لبنان بالمثل. وهذا الأمر ليس حصراً بالسعوديين، بل إنها حالة تُعمَّم على العديد من الجنسيات الخليجيّة والغربية. كما لم تقرّ الحكومة أي قرار لجهة تأمين التمويل لتطويع مجندين في الأجهزة الأمنية والجيش، رغم أن الأخيرين يعلنون حاجتهم لعديد إضافي. إضافة لهذين الأمرين، لم تُقرّ الحكومة أي إجراء لبلورة مستوى أعلى من التنسيق بين الأجهزة الأمنيّة، وخصوصاً بعد التخبّط الذي عاشته هذه الأجهزة، وخروج خلافاتها إلى العلن.

على أي حالٍ، استمرت حالة الهيستيريا الأمنية تضرب لبنان، بعد التفجير الانتحاري الثالث خلال أسبوع، والذي حصل خلال مداهمة الأمن العام لانتحاريين في فندق في الروشة. فمنذ تلك المداهمة، التي جرت مساء يوم الأربعاء، داهمت الأجهزة الأمنيّة عدداً من الفنادق وفتشت الغرف وحققت مع النزلاء، دون الوصول إلى أي نتيجة تُذكر.

لكن رغم التخبّط والهيستيريا، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الاستنفار الأمني استطاع حتى اللحظة تجنيب البلد ضربة أمنية كبيرة. وظهر واضحاً أن هذه الأجهزة، وبمساعدة غربية كبيرة، تتابع المجموعات الأمنيّة الآتية من الخارج بشكل معقول. لكن الخطورة تكمن في تحوّل الملف الأمني مبرراً لعمليات قمع واعتقالات وممارسات غير مقبولة بحق موقوفين، أو بحق سيارات مشبوهة. وقد بدأت هذه الممارسات تظهر، وخصوصاً مع وجود أرضية لها.

وفي سياق التدهور الأمني عينه، تُطرح مجموعة أسئلة ومقارنات مع موجة التفجيرات والعمليات الانتحارية السابقة.

أولاً: بدأت الموجة الماضية على أبواب شهر رمضان، في يوليو/ تموز 2013. وقد بدأت بسلسلة من العمليات غير الموجعة على صعيد الخسائر البشرية، قبل أن تصبح هذه العمليات أشبه بالمجازر المتنقلة. فهل نشهد عمليات مشابهة؟ أي هل نحن نعيش مرحلة الرسائل غير المؤذية حالياً تمهيداً لعمليات أكثر عنفاً؟

ثانياً: خلال الموجة الماضية، اعتبر حزب الله أن مصدر السيارات المفخخة هو منطقة القلمون السورية، وعلى هذا الأساس خاض الحزب عملياته العسكرية هناك، والتي انتهت بسيطرته على هذه المنطقة. وقد وافق وزير الداخلية الحالي، نهاد المشنوق، على هذا الكلام بتصريحات عدة. اليوم، يُمكن القول إن الحدود اللبنانيّة ـ السورية تحت السيطرة. فما هو مصدر هذه المتفجرات؟ هل بات هناك خبراء تفخيخ داخل الأراضي اللبنانيّة؟ لا تملك الأجهزة الأمنيّة أجوبة صريحة عن هذا السؤال. بعضها، يُكرر مقولة قديمة، وهي أن المخيمات الفلسطينية تُعدّ مصدراً لهذه المتفجرات، لكن هذه المقولة لم تعد ذات صدقية لكثرة استخدامها في إطار تشويه سمعة المخيمات وتحويلها إلى "شماعة" للأمن غير المنضبط في لبنان.

ثالثاً: تُجمع مصادر مختلفة على أن لا وجود عملياً لمجموعات متطرفة في لبنان، وأن هؤلاء الانتحاريين يأتون من خارج الحدود. لكن الخلية التي أعلن الجيش عن ضبطها شمالي لبنان، والتي قال إنها تُحضّر لاغتيال أحد الضباط الأمنيين في الشمال، تضرب هذه النظرية.

رابعاً: اعتبر تيار المستقبل والمقربون منه أن أحد أسباب الموجة السابقة من التفجيرات هو تهميش فريق أساسي (طائفة) عن السلطة، والمقصود هنا الطائفة السنية وتيار المستقبل تحديداً. واعتبرت هذه النظرية أن سنّة لبنان يعيشون حالة إحباط ويشعرون بالتهميش. حالياً، يوجد تيار المستقبل في الحكومة، ويشغل وزارات أساسيّة، منها وزارة الداخليّة. لكن هذا الوجود لم يلغِ حالة الإحباط والشعور بالتهميش عند هذه الطائفة. يطرح هذا الأمر أسئلة عدة: هل إن تيار المستقبل لم يعد ممثلاً لهذه الطائفة؟ هل فقد تيار المستقبل قدرته على التواصل مع جمهوره؟

عملياً، لا يُمكن القول إن تيار المستقبل فقد تمثيله الشعبي، لكنه خسر قدرته على التواصل مع جمهوره، بسبب ترهّل التنظيم الحزبي. عدم التواصل هذا، جعل جزءاً كبيراً من جمهور التيار يشعر بأن ممارسات وزرائه في الحكومة (خصوصاً وزير الداخلية نهاد المشنوق) تهدف لنيل رضى حزب الله، بهدف الوصول إلى رئاسة الحكومة. هذا أدى إلى تفاقم حالة الإحباط. وفي تيار المستقبل مَن يعتقد أن المساعدات والتقديمات عبر البلديات تُضعف هذا الشعور وتُسهم بالحد من اندفاع بعض الجمهور نحو التنظيمات الإسلامية. لكن حتى اللحظة لم يثبت نجاح هذه النظرية.


خامساً: بدأت الجولة الماضية بخلاف سياسي حاد بين حزب الله وتيار والمستقبل، وانتهت بتوافق بينهما على تأليف حكومة تمام سلام. أمّا هذه الجولة، فبدأت مع الخلاف بين الطرفين حول انتخابات رئاسة الجمهوريّة، فهل تفضي هذه الجولة إلى انتخاب رئيس للبلاد، وخصوصاً أن النقاش حول ضرورة إجراء الانتخابات يتزايد؟

سادساً: هدأت موجة التفجيرات الماضية، بعد تأمين غطاء إقليمي ودولي للاستقرار النسبي في لبنان، فهل تعبّر عودة التفجيرات عن رفع هذا الغطاء؟ ومَن الذي قرّر رفعه وما مصلحته في ذلك؟ يقول حزب الله إن السعودية قررت تفجير الوضع في لبنان للتغطية على هزائمها. في المقابل، يقول تيار المستقبل إن السعودية تعتبر الأمن والاستقرار في لبنان أولوية لها، لأنها لا تُريد أن توجع رأسها بالملف اللبناني. لكن الغطاء الغربي لا يزال متوافراً، وهو ما تُثبته مسارعة الدول الغربية لإدانة التفجيرات، وتزويدها للأجهزة الأمنية اللبنانية بمعلومات وتجهيزات ساعدتها في الكشف عن العمليات الأخيرة. وإذا لم يتم رفع الغطاء الإقليمي والدولي، فهل نحن أمام قرار لدى التنظيمات الجهادية أن لبنان بات أرض جهاد، وبالتالي صار البلد في مواجهة مفتوحة مع الجهاديين؟

المساهمون