جراد المدينة ونص انصيص والواقع الفلسطيني

25 ديسمبر 2018
الصورة
تكشف المقاربة بين الموروث الشعبي الفلسطيني والحالة السياسية الراهنة أبعاداً عديدة تفسر انتقال الفلسطينيين من أزمة إلى أخرى، ومن مواجهةٍ إلى مواجهة أكثر صعوبة. وكما يؤشر هذا الموروث، فإن هذه التحديات والمواجهات والأزمات قليلا ما تتحول إلى فرص سياسية تغيّر الواقع الصعب المعيش، وتفكّك بنى الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وهياكل نظامه العنصري الاستعماري. 
في الموروث الشعبي الفلسطيني قصتان مليئتان بالعبر والحكم، تجسّدان حالة الشرذمة والوهن للمشروع الوطني الفلسطيني والواقع السائد: قصة عن الوهن، وقصة عن الانبعاث؛ قصة عن الخذلان وامتهان الكرامة، وقصة عن الإصرار واستعادة الكرامة؛ قصة عن قيادة ثرثارة، حديثها كثير وفعلها الإيجابي قليل، وقصة عن مجتمع فلسطيني منتفض كل يوم، على الرغم من الصعوبات، وإن تغيرت وتبدلت الأشكال وحدّة الانتفاض؛ قصة للقيادات وعنها، "الجراد في المدينة"؛ وقصة أخرى للشعب وعنه، "نص انصيص". أستحضر القصتين هنا باقتضاب، لتبيان المقاربة السياسية - التراثية الشعبية، من أجل إدراك أين نقف اليوم، نحن الفلسطينيون، قيادات سياسية تقليدية في كفة، وشعب في كفة أخرى.
في قصة "الجراد في المدينة"، يهجم الجراد على المدينة، وبدلاً من مجابهته فعليا، تبدأ قيادات تلك المدينة الكلام عن ضرورة مجابهته، وعن الواجب الملقى على عاتقها لحماية الشعب. ويبدأ نظم الأشعار وحشد الناس لرفع اليافطات، والاستماع إلى خطابات ملأى بالجمل الفارغة العديمة الفحوى والجدوى، ثم تُملأ الجدران بشعاراتٍ تدعو إلى إسقاط الجراد وسحقه، إلى أن ينهش الأخضر واليابس. وما إن ينجح الجراد في قضم المزيد، حتى تبدأ القيادات بالتخاصم والتقاتل فيما بينها بشأن البرامج والتكتيكات والاستراتيجيات والرؤى والأساليب والحسابات 
الإقليمية للتخلص منه، وسرعان ما يتحوّل الخصام إلى ملاسنة فاحتقان فاقتتال فانقسام. وبينما يستمر الجراد في القضم الشديد، تستمر القيادات في النهش اللعين، والأهم في نهش جسدها الواحد، في إحدى أبشع صور الإفقار الوطني الجمعي. ويضعف هذا الجسد كل يوم، ويزداد تهميش الناس، فيشعرون بمرارة التوهان والاغتراب في الوطن، ويصبح الجلوس على الكرسي العالي أسمى أهداف القيادات، وتستمر الثرثرة والوعود الكاذبة كأن الجراد واحتلاله غير موجودين.
النهاية واضحة: سيطرة مطلقة للجراد، واقتتال داخلي بين قيادات المدينة، يبعدهم عن طرح إجابات لسؤال: من أين وكيف أتى الجراد؟ الأمر الذي يمنعهم أيضا من مواجهة الجراد. .. هل تلامس القصة حقيقة ما نعيشه؟ هذه ليست قصة من الخيال، وشخوصها ليست متخيلة، بل حقيقية تؤديها القيادات السياسية الفلسطينية الحالية كل يوم، ومع كل يوم تزداد درجة الأذى الذي تسببه هذه القيادات لشعبها.
وفي الحديث عن الشعب، تخبرنا قصة "نص انصيص" أن ولداً صغيراً كبر بسرعة، بحكم الظروف، لكنه بقي صغير الحجم، كل شيء فيه لا يتعدّى نصف حجم أقرانه وأبناء عمومته. هزأ منه أقرانه، عندما أعلمهم برغبته في الذهاب معهم في رحلة الصيد. وهمّشوه لفقره، وصغر حجمه، فامتطى عنزته السمراء، بدلا من الحصان، وتسلح بالمقلاع، بدلا من الخرطوش وبواريد الصيد. وعلى الرغم من جهوزيتهم، لم يستطع أبناء عمومته اصطياد شيء، لكنه بإصراره نجح في اصطياد الكثير. شعروا بالخزي والعار، وقرّروا مصادرة نجاحاته، وغدروا به، ونسبوا نجاحات الصيد إلى أنفسهم (هنا يمكن تخيل مرّات كثيرة شعر فيها الشعب الفلسطيني بالغدر والخداع من قياداته، وخصوصا بعد إنهاء كل انتفاضة أو حالة اشتباك).

في اليوم الثاني، قرّر والد نص انصيص مراقبة عملية الصيد، من دون علم أحد، ولاحظ أن ابنه هو من يصطاد فعلا، وكشف الخديعة (كما تمت تعرية القيادات الفلسطينية والعربية في مرات). في اليوم الثالث، وبدلا من تعلم الدروس، قرّر أبناء عمومة نص انصيص القيام بمغامرة جديدة، غير مدروسة، كي لا يراقبهم أو يكشفهم أحد، لكنهم وقعوا في فخ الغولة (يمكن أن تترجم إلى اتفاق أوسلو، أو حضن أميركا، أو التعاون مع إسرائيل، أو الاعتماد على مجتمع المموّلين) على الرغم من الإدراك المسبق لنص انصيص وتحذيره لهم. صحوة نص انصيص وتضحيته (كصحوات الفلسطينيين المتكرّرة) حمت أبناء عمومته من افتراس الغولة لهم بالكامل، فقد أنقذهم وأرجعهم سالمين إلى مدينتهم، على الرغم من استهزائهم به وخداعهم له. إصرار نص انصيص (كإصرار الشعب الفلسطيني) دفعه إلى العودة إلى بيت الغولة، للإتيان بها إلى مدينته، ليتم التخلص من شرورها وإنهاء القضية من جذورها، لأن نص انصيص لا يعترف بأنصاف الحلول، ولا بالمساومة على الحقوق. وفعلا، نجح في ذلك، وأرسى عبراً لمجتمعه وأبناء عمومته، ووحّدهم من أجل القضاء على الغولة.
على الرغم من رمزية القصة، وتطويعها، وتوظيفها للتدليل السياسي، فإنها ملأى بالعبر. وعلى الرغم من أننا ما زلنا بعيدين عن نقطة النهاية تلك (القضاء على الغولة)، فإن هذه الحكاية من موروثنا الشعبي ربما تشير إلى دروسٍ يجب أن نتعلمها، أهمها أن الشعب هو مصدر الشرعية وصانع التضحيات وصاحب القول الفصل في نهاية المطاف.
تعليق: