جذور أزمة "الإخوان" ومآلات التنظيم

24 ديسمبر 2015
الصورة

مقر "الإخوان" في القاهرة عشية الانقلاب (1 يوليو/2013/أ.ف.ب)

مع صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة الحكم في مصر، توارى الجانب الدعوي لديها تماماً، وبرز الجانب السياسي، بتداعياته المفككة والمهلهلة، وبرز دور التنظيم وتأثيره في مدى رسم تحركات الجماعة ورؤيتها، وكذلك في تطوير أفكارها، وكيف ساهم في حصار الفكرة التي نشأت مع الجماعة منذ البداية، ما جعلها فكرة منعزلة عن الواقع، غير قادرة علي التعاطي معه، أو التطور والنضوج، والتبلور بشكل يسمح لها بخوض تجربة الحكم على أرضية ثابتة وواضحة المعالم، فأصبحت حبيسة التنظيم وقوانينه الصارمة. وهنا، يبرز التحول الأساسي في مخالفة الجماعة نشأتها الأساسية، في أنها جماعة تحاول إصلاح الدنيا من خلال الدين، وبدا واضحاً أنها قامت بخصخصة الدين، وأعادت إنتاجه طبقاً لمصلحة التنظيم وقوانينه الخاصة، وتوارى عنها فهم الشريعة في إطارها الأوسع والأشمل ومقاصدها العليا، ناهيك عن فقدان القيمة الأخلاقية وتلاشيها. تمت إعادة صياغة التنظيم وبنائه بصورة محكمة على غرار شكل الدولة، فمجلس شورى الجماعة بمثابة البرلمان (الشعب والشورى) ومكتب الإرشاد بمثابة مجلس الوزراء، والمكاتب الإدارية تقع على حدود المحافظات، والإقليمية تقع على حدود الدوائر الانتخابية.
مر التنظيم بأطرافه الدولية المتشعبة، وفي ضوء التغيرات الإقليمية، بأزمات عدة، أثرت عليه بصورة مباشرة، وخلخلت قواه الداخلية، وأضعفت من وجوده وانتشاره، خصوصاً تلك التي أعقبت حرب الخليج الثانية، حيث نشطت الحركة الإسلامية بين مؤيد لصدام حسين ومعارض له، وقد علا الخلاف بين فروع التنظيم الإخواني في الدول المختلفة، وكانت سبباً في إضعاف المركز الإخواني المصري، ونمو تأثير الفروع الخليجية، لا سيما في الكويت. وأدت الضربات المتتالية التي واجهها التنظيم من نظام حسني مبارك، ومحاصرة وجوده في النقابات والاتحادات الطلابية والجمعيات ومؤسساته الاقتصادية، وتضرر الشبكة المجتمعية المرتبطة به، وما انتهى إليه الأمر من حصار للمساجد، وعوامل أخرى، أدت هذه كلها إلى انكفاء التنظيم على نفسه، وعدم قدرته على صياغة مشروع أو رؤية أو حتى رؤية نفسه من الخارج، ما ساهم بصورة كبيرة في ضرب نوع من العزلة المجتمعية، وتشكيل عقل جمعي لدي "الإخوان المسلمين"، يقوم على كونهم عرقا آخر يخوضون معركة مقدسة باسم الدين، ناهيك عن العيش في نفسية المضطهد. كل هذه العوامل الخارجية قابلتها عوامل داخلية، تمثلت في تبلور تيار إصلاحي، كانت أحد أهم مطالبه فصل الدعوي عن السياسي، وبدا ذلك واضحاً في البرنامج السياسي للحزب الذي فكّر "الإخوان المسلمون" في إنشائه في العام2007. فهناك قضايا كثيرة نوقشت في هذا البرنامج، عكست، إلى حد بعيد، موقف الجماعة من قضايا مهمة، مثل المرأة والمشاركة الحزبية وغيرها، إلا أن التيار القطبي انتصر، في النهاية، على حساب التيار الإصلاحي، ومعروف تأثر ذلك التيار بأفكار سيد قطب وعبادته التنظيم وتقديسه على حساب الأفكار وتطويرها.
نظام أمني يقوم علي أهل الثقة لا أهل الكفاءة. معروف أن رتب الترقي داخل جماعة الإخوان
المسلمين سبع، تبدأ بمحب، ثم مؤيد (مستويان للمؤيد) ثم المنتسب (مستويان للمنتسب)، ثم عامل، وتنتهي بنقيب، والنقيب يتبع المرشد مباشرة، ولا يعرف عنه أحد شيئاً، وهو يكتب تقاريره في الأعضاء العاملين، ويكتب الأعضاء العاملون تقاريرهم في الأعضاء المنتسبين. وهذا يبرز النظام الأمني الذي يتعامل به التنظيم مع أعضائه، وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة، وتتم ترقيتهم على أساسه. وعدد النقباء نحو ثلاثة آلاف، ويتم انتخاب مجلس شورى المحافظة الذي يقوم بتمثيلها في مجلس شورى الجماعة، من خلال الأعضاء العاملين البالغ عدد هم 108 أعضاء، وتقسم المحافظات إلى مناطق نحو20 منطقة، حسب حجم المحافظة وعدد الأعضاء العاملين فيها، وتتم الانتخابات داخل المحافظة بحد أدنى 40 عضواً، وحد أقصى 80 عضواً، أي بمتوسط 60 عضواً عاملاً، وبضرب نسبة المتوسط في عدد المحافظات، إذا افترضنا وجودهم بأعداد متساوية في جميع المحافظات. يظهر العدد الحقيقي تقريباً لأعضاء الجماعة العاملين، علماً أن مجلس شورى الجماعة ثلث أعضائه بالتعيين، ما يعني أن القوى المسيطرة داخل مكتب الإرشاد تستطيع أن تقوم بتعطيل القرارات، أو تمريرها، لمصلحتها من خلال مصالح وولاءات مختلفة لأشخاصٍ تقوم على المال والمصاهرة، ولا علاقة للدين في أي شيء منها.
وقد عكست الانتخابات الطلابية المصرية في أثناء حكم "الإخوان" تآكل التنظيم وتجفيف منابعه وروافده. فقد احتكر "الإخوان"، سنوات طويلة، الحركة الطلابية داخل الجامعة، وكانت بالنسبة للتنظيم أحد أهم الروافد التي يستطيع بها حشد الطلاب إلى جانب زيادة عدده، فما يقوم به أعضاء التنظيم من دعوة فردية في ظل المناخ الطلابي، كانت تؤدي، وبصورة واضحة، إلى استقطاب أعضاء جدد داخل الجماعة، ومع انحسار قبضة "الإخوان" على الجامعات، وخسارتهم الظهير الشعبي وفقدانه، خصوصاً بعد صعودهم إلى السلطة مباشرة، تعطلت ماكينة الدعوة الفردية عن استقطاب أعضاء جدد، ما ساهم في تقلص وجودهم، أو قدرتهم على المنافسة، وكذلك فقدان الدعم الطلابي، أو التعاطف معهم، وتكرر الأمر نفسه، في انتخابات عدد من النقابات، كما حدث في نقابة الصيادلة وغيرها. ناهيك عن الفشل على مستوييه السياسي والاجتماعي. هذا كله مؤشر على تآكل التنظيم، وأن عدد أفراده لم يزد، إن لم يكن قد تناقص، بسبب الانشقاقات المتتالية، وتوقف ضم أعضاء جدد.
أما عملية شيخوخة التنظيم فليست جديدة، بل قديمة، وقد برزت بوضوح مع أحداث المقطم في أثناء فترة حكم "الإخوان" في العام 2013، فقد تم جلب عدد كبير منهم من المحافظات، ووضح شيخوخة أعضاء التنظيم، مقارنة بنسبة عدد الشباب فيه، وأن هذا التنظيم صار إلى الشيخوخة، وجفت منابعه وروافده الشبابية، وكل هذه الظواهر بالإضافة إلى الطريقة التي يتبعها التنظيم في ترقية أعضائه واختيارهم تؤكد شيخوخته وتآكله. ليس على المستوى العمري، بل وكذلك على المستوى الفكري.
وبالإضافة إلى كل ما مر، وبعد الثلاثين من يوليو/تموز 2013، دخلت الجماعة مرحلة جديدة، لم تواجهها من قبل، فبين حصار سياسي ومجتمعي، وفشل داخلي على مستوى التنظيم أو الحكم، واحتكار السياسة من تيار معين داخل الجماعة، والفشل في تجديد الخطاب، ومحاولة التفكير خارج أسوار التنظيم، جعل الجماعة غير قادرة على قراءة الوضع الحالي بمتغيراته، أو الوصول إلى طرح حلول سياسية، وليست أراء تقوم على استدعاء الماضي، والتأكيد عليه. العزلة الفكرية والأيديولوجية التي ضربت عقوداً على أعضاء جماعة الإخوان (نتيجة ممارسات المجموعة القطبية داخل الجماعة) وعزلهم عن محيطهم المجتمعي، بتكويناته المختلفة وتياراته المتعددة، بالتزامن مع تنامي القمع وغلق المجال السياسي العام، قد يجعل هناك قابلية للجنوح إلى العنف، والتبرير له من مستخدميه.
مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، في ظل المتغيرات الإقليمية الحالية، وإعادة رسم مراكز القوى ومواقعها، مجهول، لكنه، وبلا شك، يفضي إلى شيء واحد، أن التنظيم يواجه مصير الفناء.