جاك لوغوف.. في مفارقات "الذاكرة والتاريخ"

18 ابريل 2018
الصورة
ويفردو لام/ كوبا
+ الخط -
شكّلت القرون الوسطى الانشغال الأساسي للمؤرخ الفرنسي الراحل جاك لوغوف (1924 – 2014)، في عدّة مؤلّفات حاول خلالها تفكيك نظرة الغرب إلى تلك المرحلة التي كانت تعتبر "عصر الظلمات"، فدرس وسائل الإنتاج لدى حضارات عدّة وعلاقتها بمحيطها الجغرافي والاجتماعي والتاريخي.

"الذاكرة والتاريخ" عنوان كتابه المنشور عام 1988، والذي صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بترجمة جمال شحيد، وفيه وضع لوغوف رؤيته، أو رؤية مدرسة "الحوليات" الفرنسية لدراسة التاريخ.

يضمّ الكتاب أربعة فصول؛ يبحث الأول "ماضٍ/ حاضر" في التعارض بين الماضي والحاضر في علم النفس وفي ضوء الألسنية، كما يطرح تساؤله حول نسبة التجديد التي تقبل بها المجتمعات في تعلّقها بالماضي؟ ويضيء على تطور العلاقة "ماضٍ/حاضر" في الفكر الأوروبي منذ العصر الإغريقي القديم حتى القرن التاسع عشر.

في الفصل الثاني، "عتيق (قديم) حديث"، ، وتحت عنوان "ثنائي غربي وملتبس"، يقول لوغوف إن التعارض بين عتيق وحديث تطور في سياق ملتبس ومركّب، لأن لا تعارض دائمًا بين المفردات والمفاهيم، فقد استُبدلت كلمة عتيق بكلمة قديم وتقليدي، واستُبدلت كلمة حديث بكلمة قريب العهد أو جديد. عندما ظهرت كلمة حديث في اللغة اللاتينية المتأخرة، لم تحمل إلا معنى حديث العهد، وحافظت عليه طوال العصر الوسيط؛ أما كلمة عتيق فربما عنت ما يعود إلى الماضي، وتحديداً إلى تلك الحقبة من التاريخ التي أطلق عليها الغرب منذ القرن السادس عشر اسم العصور العتيقة، أي الحقبة التي سبقت انتصار المسيحية في العالم الإغريقي – الروماني.

تحت عنوان "عتيق (قديم)/حديث والتاريخ: مساجلات القدامى والمحدثين في أوروبا قبل الثورة الصناعية (بين القرنين السادس والثامن عشر)" يجد أن النهضة الأوروبية عكّرت الظهور المرحلي للحديث المتعارض مع العتيق (القديم). فهي التي أعطت بشكل قاطع كلمة العصور العتيقة معنى الثقافة الإغريقية - الرومانية، وحبّذت هذه الثقافة. فالحديث لا يستحق الأفضلية إلا إذا قلّد القديم.

يتحدّث في الفصل الثالث "الذاكرة" عن الذاكرة الإثنية، فيميّز بين الثقافات الشفوية والثقافات الكتابية في ما يتعلق بالمهمات الموكولة إلى الذاكرة مؤسسة على كون العلاقات بين هذه الثقافات تتوسط تيارين مغلوطين في غلوّهما، يؤكّد أحدهما أن البشر كلهم يمتلكون الإمكانات نفسها، ويقيم التيار الثاني تمييزاً واضحاً بين الهُم والنحن.

يتطرّق الفصل الرابع "التاريخ" إلى مفارقات التاريخ والتباساته، فيسأل: هل التاريخ هو علم الماضي أو ليس ثمة تاريخ إلا التاريخ المعاصر؟ ويتناول موضوعية الماضي والتلاعب به، والمفرد والكوني في تعميمات التاريخ واتساقاته. وتحت عنوان "التاريخ كونه علماً: مهنة المؤرخ" يرى أن التاريخ يحتاج إلى تقنيات ومناهج، وأنه يُدَرَس، وهذان أفضل برهانان على أنه علم، وعلى أنه يجب أن يكون علماً، متناولاً الصلة الوثيقة التي تربط التاريخ بالوثائق.

وفي باب "التاريخ اليوم"، يذكّر لوغوف بمشكلتين يواجههما التاريخ اليوم: الأولى هي مشكلة التاريخ الإجمالي والعام، مشكلة النزوع القديم إلى تاريخ لا يكون تاريخًا كونياً وتوليفياً، بل هو تاريخ شامل وكامل، أو شمولي وتام؛ والثانية هي الضرورة التي يشعر بها العديد من منتجي التاريخ ومستهلكيه بأن التاريخ السياسي يعود. وهو يؤمن بهذه الضرورة، بشرط أن يثرى هذا التاريخ السياسي الجديد بإشكالية التاريخ الجديدة، بحيث تكون أنثروبولوجيا سياسية تاريخية.

المساهمون