تونس.. عصافير باب البحر

19 سبتمبر 2014

شارع بورقيبة.. شريان تونس ورمز حراكها في الثورة(Getty)

+ الخط -

شارع الحبيب بورقيبة هو الشارع الرئيسي في وسط العاصمة تونس، لكن طوله أقل من كيلومتر. يغيب عنه المرء طويلاً، ثم يعود إليه ليجده على حاله، لا يتغير فيه غير الزبائن، لكن الإيقاع العام هو نفسه. شباب في مقتبل العمر يحتلون مقاهيه وأماكنه العامة، وتدور بينهم نقاشات حامية، وألفات بريئة، وأحياناً خصومات طاحنة، لكن حياة الشارع تجري مثل نهر يحفر مجراه عميقاً.

مثل شوارع رئيسية كثيرة في المدن، يتغير مزاجه تبعاً لدورة حياة المدينة بين العمل والترفيه. ولذا، هو، في ساعات النهار، يكاد يكون خاصاً بمارة يقضون حاجاتهم في وسط المدينة القديمة، لكنه في المساء ينتقل إلى طور آخر، يبدو للعابر أنه مزيج من الجد والهزل، وأن هؤلاء الفتيان ليسوا أكثر من صبيةٍ عابثين يأتون هنا لتزجية الوقت، ثم يغادرون قبل منتصف الليل، ويتفرقون في حواري المدينة، ولا يلحظ لهم أثر.

لا يخلو الشارع من غير هذا الطراز من الشبان، ولكن، يبدو أن هؤلاء هم الغالبية العظمى من الجالسين هنا في المقاهي، ومن يتأمل جيداً في السحنات، يقع على شبه كبير بين هؤلاء وأولئك الذين وقفوا في اليومين الأخيرين من الثورة التونسية أمام وزارة الداخلية، وشكّلوا من حولها طوقاً للإفراج عن المعتقلين السياسيين، ولكي يصلوا بالثورة إلى ذروتها، التي تكللت بهروب زين العابدين بن علي.
واللافت أن البناء، الكائن على الناصية، هو مبنى وزارة الداخلية، التي بقيت في مكانها، ولم يكن لها أن تبقى في المكان نفسه لو لم يتغير النظام التونسي، وتختلف طبيعة عمل الوزارة كلياً. ويلحظ السائر في هذا الشارع أن شرطة الوزارة تحولت من جهازٍ لمراقبة التونسيين وإحصاء أنفاسهم، إلى قوات تسهل شؤون الناس، وتسهر على أمن البلاد والعباد.

يمتاز شباب هذا الشارع بأنهم يعكسون وجه البلد مباشرة، وهم على تنوعهم يشكلون صورة عن تونس، شابة، مدينة وريفاً، متعلمون ومثقفون وأصحاب حرف وعاطلون عن العمل، فتيات حاسرات، وعلى آخر طراز غربي، وأخريات محافظات، ويبدو المشهد متجانساً ولا تنافر فيه. وهذا ما كانت عليه تونس في فترة بورقيبة، واستمرت عليه أيام بن علي، وبعد الثورة، حاولت أطراف متشددة أن تفرض ايقاعها، لكنها فشلت. ولذا، حافظ الشارع على تعدده، وعاد، في هذه الأيام، إلى سابق عهده، وازداد عدد المقاهي، وعلا صوت الجدل.

لا أظن أن هناك مكاناً في تونس يصلح مقياساً لجس النبض أكثر من هذا الشارع، الذي يبدو للعابر بسرعة أنه خليط غير متجانس، يبحث عن تزجية الوقت والتنفيس، وما يجمع رواده هو البحث عن فضاء وقتي لقتل الفراغ. ولكن، النظرات والكلام المسموع ينقلان رسائل عن قوة حياة الشارع، بالمعنى السياسي والثقافي والاجتماعي.

لا شك في أن من تابعوا نقل وقائع اليومين الأخيرين من الثورة التونسية، ترسخت في أذهانهم صورة صفين من الأشجار وسط الشارع، تشكل علامات رمزية. وقبل سنوات، جرت عملية توسيع للشارع، وجرى اقتلاع الأشجار، فحصلت هزة كبيرة في البلد، فاضطرت الحكومة إلى إعادة زراعتها من جديد. واحدة من حميميات هذه الأشجار أنها تستقبل أعداداً هائلة من العصافير، التي ما إن يحين الغروب، حتى تشرع في الطيران في رفوفٍ منتظمةٍ، وتقوم بعدة تدريبات، ثم تغادر.

تلك عصافير باب البحر، المدخل الآخر للشارع من عند تمثال ابن خلدون، الذي ظل باقياً في مكانه، ولم يتجرأ عليه بن علي، في حين أنه أزال من المدخل الآخر تمثال الحبيب بورقيبة، فاستحق نقمةً شعبية أسقطت كل تماثيله.

1260BCD6-2D38-492A-AE27-67D63C5FC081
بشير البكر
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد