تونسيات يحاربن الفقر بمشغولات الفخار

تونس
بسمة بركات
29 يناير 2020
هنّ تونسيات من مختلف الأعمار، لم يكملن تعليمهن في الغالب، ولا يعرفن القراءة والكتابة. يعشن في ريف مدينة سجنان، بمحافظة بنزرت، شمالي تونس، والقاسم المشترك بينهن الفقر والحرمان والتهميش. لكنّ ذلك لم يعق إبداعهن، إذ تمكّنّ بأناملهنّ التي أنهكها جلب الطين من سفوح الجبال من صنع منحوتات ونماذج من الفخار.

تؤكد فرهودة السعيداني (60 عاماً) من سجنان، تعلمت صنع الفخار من جدتها ووالدتها منذ كان عمرها 10 أعوام. وبعد وفاة زوجها، تاركاً لها ستة أطفال، نشطت في هذه الحرفة، وبدأت في صنع نماذج وتطويرها بحسب احتياجات السوق وطلبات الزبائن، مضيفة أنّها تصنع عرائس الفخار وأشكالاً للزينة بمفردها من دون الاستعانة بأيّ صور أو تصاميم، علماً أنّها لم تتعلم يوماً في المدرسة. توضح فرهودة أنّ النماذج موجودة في مخيلتها، إذ إنّها تتخيل الأشكال، ثم تبدأ في نحتها بواسطة الفخار ثم تزيينها، مبينة أنّ جلب الطين مرهق ويتطلب ذهابها إلى الجبل ساعتين أو ثلاثاً على حمارها للوصول إلى هناك. تزداد الصعوبة مع غياب المياه عن بيتها، فتجلبه أيضاً من مكان يبعد عنها بضعة كيلومترات، تبدأ عملها في تطويع الفخار. هذه الحرفة، على بساطتها، مكنّت فرهودة من تدريس أبنائها وتزويج البعض منهم، والإنفاق على أسرتها، مؤكدة أنّه مضى نصف قرن على عملها هذا، تعجن الطين وتطوّعه بأشكال عديدة وفي كلّ مرة تحاول أن تصنع نماذج جديدة، ولم يمنعها الفقر والتهميش من الإبداع والابتكار.



بدورها، تقول زازية (75 عاماً) إنّها تعلمت صنع الفخار منذ كانت سنّها 25 عاماً من جدتها، لكنّ النماذج في الماضي كانت تقتصر على صنع أواني الطبخ، فقررت تطويرها بنماذج جديدة يسهل تسويقها من عرائس وقلادات وحيوانات وأدوات لزينة البيت ومزهريات وأوانٍ كبيرة لوضع الزيت والطعام، ثم باتت تشارك في معارض وملتقيات عدة من شمال البلاد إلى جنوبها. تتابع أنّ زوجها عامل يومي وظروفها الاجتماعية صعبة، لكنّ الفخار أنقذ أسرتها من الفقر فدرّستهم وأنفقت عليهم، وكانت تقتني ما تحتاج الأسرة إليه، مشيرة إلى أنّ حرفتها ساهمت في صمودهم وعيشهم بكرامة، بالرغم من أنّ الظروف ما زالت صعبة. تؤكد أنّها علّمت بناتها وزوجات أبنائها حرفة الفخار، كي تتوارثها الأجيال.



تبدو فضيلة السعيداني (45 عاماً) مشغولة بترتيب منحوتات من الفخار، صغيرة ملونة، وأخرى كبيرة الحجم، من عرائس ومزهريات، وأدوات طبخ، وأخرى للديكور. تقول لـ"العربي الجديد": "لم أدخل إلى المدرسة، لكنّي تعلمت صنع الفخار من والدتي، طورتها وأضفت الألوان الزاهية إلى المنحوتات كي تجلب الأنظار ويقتنيها المواطنون، وهي ألوان مستخرجة من مواد طبيعية أمزجها بخبرتي وبحسب ما يمليه عليّ ذوقي إلى أن تتحصّل على اللون المطلوب. أعتمد على الموهبة التي اكتسبتها وعلى الأفكار التي ترد في مخيلتي لصنع أيّ شكل". تؤكد فضيلة أنّ زوجها مريض وظروفها المعيشية صعبة جداً، إذ تقطن في منطقة ريفية بسجنان، لكنّها نجحت في تحدي التهميش وكسر العزلة والإنفاق على أسرتها وتدريس أطفالها من بيع منحوتات الفخار.



أما علجية الذهيبي (60 عاماً) فتؤكد أنّها تعلمت صنع الفخار من الأجداد، وهي حرفة تشكل مورد رزقها الوحيد، فالعمل بالنسبة إليها شغف ومتعة، واليوم الذي يمرّ من دون أن تشكّل قطعة ما، تشعر بالقلق فيه، إذ اعتادت على تشكيل منحوتات جديدة، وتطويع الفخار إلى نماذج وتحف. تشير إلى أنّ لكلّ قطعة حكاية بدءاً من الطين الذي تجلبه من سفح الجبل وصولاً إلى الملوّنات التي تستخرجها من أعشاب وزهور من الغاب مثل "الذرو" وصولاً إلى فرن الطابونة الذي تضع فيه المنحوتات، ثم تتركها في الشمس لتجف كي تصمد ولا تتشقق. تتابع أنّ الحرفة صعبة لكنّها ممتعة، فهن نساء بسيطات لم يرتدن مدارس ولم يتعلمن الصنعة والألوان من معاهد الفنون، لكنّهن ورثن الحرفة من الأجداد وأضفن إليه بحسب مواهبهن.



من جهتها، تفيد ابنتها أنّها انقطعت عن التعليم في سن 13 عاماً بسبب الفقر، لكنّها تعلمت حرفة الفخار من والدتها، وكانت تعرض منتجاتها بمفردها، مشيرة إلى أنّ والدتها تفوقها خبرة، بحكم إمضائها سنوات أكثر في العمل. لكنّها تمكنت بدورها من صنع قلائد وأدوات زينة ومنحوتات مختلفة. تقول إنّ الإبداع لا حدود له ويمكن تطويع الفخار وصنع آلاف الأشكال كلّ بحسب ذوقه وتجربته في الحياة، فأغلب الاشكال المنحوتة مستمدة من التجارب ومن الحياة وهي تروي قصص نساء كادحات تحدّين فقرهن وواقعهن الصعب لإثبات وجودهن وإعالة أسرهن.



تلفت فضيلة (50 عاماً) إلى أنّه مضى على تجربتها نحو 20 عاماً، تصنع تحفاً جميلة وحيوانات من الفخار كالسلحفاة والحصان والحمار والأسماك، مؤكدة أنّها تحمل الفخار على ظهرها بعد جلبه من الجبل، وبالرغم من مشقات الرحلة فهي ضرورية من أجل إعالة أسرتها فظروفها لا تقلّ قساوة عن جاراتها وصديقاتها في الحرفة، مشيرة إلى أنّهن يحاولن في كلّ مرة تطوير المنحوتات وإضافة أشكال جديدة. تؤكدت أنّ السائحين العابرين من المكان يقتنون منتوجاتهن التي يعرضنها على حافة الطريق، لكنّ ما ينقصهن هو مزيد من التسويق والترويج، إذ إنّ الإقبال المحلي محدود.

ذات صلة

الصورة

اقتصاد

ورث مهنة "الإسكافي" عن والده منذ أكثر من 55 عاماً، ‏وخلال تلك السنوات الطوال ما زال يجلس في الشارع نفسه، ولم ‏يغير بقعته، وعلى المنضدة (التربيزة) القديمة نفسها، وبأدواته البدائية نفسها ما زال يمارس إصلاح الأحذية.‏
الصورة

سياسة

يغامر رئيس الحكومة المكلف في تونس هشام المشيشي في طرح تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، وسط رفض الأحزاب، ما يجعله مهدداً بالخروج سريعاً من المشهد السياسي، وفشل مسعى الرئيس التونسي قيس سعيّد على ما يبدو لتدعيم النظام الرئاسي.
الصورة

اقتصاد

النول آلة خشبية تُستخدم في غزل وحياكة النسيج اليدوي، ويستخدمه آخرون في صناعة السجاد التقليدي مع بعض الاختلاف في الحرفة، وهي مهنة يتوارثها السودانيون منذ مئات السنين.
الصورة
وزيرة المرأة تونس (تويتر)

مجتمع

فرضت جائحة كورونا تحدّيات جديدة وأعباء إضافية على المرأة التونسية، التي تستعد لإحياء عيدها الوطني الموافق ليوم 13 أغسطس/آب من كل سنة، ولكن هذا الاحتفال لا يخلو من صعوبات، فكثيرات فقدن عملهن، وعديدات ما زلن يواجهن مشاكل..